إن الحمد لله نحمده و نستعينه و نستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا و من سيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له و أ شهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وسلم.قال الله تعالى :"يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منها رجالا كثيرا و نساء واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيبا ".النساء 01.و قال أيضا :"يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله و قولوا قولا سديدا يصلح لكم أعمالكم و يغفر لكم ذنوبكم ومن يطع الله و رسوله فقد فاز فوزا عظيما "الأحزاب .71أما بعد فإن أصدق الحديث كتاب الله وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم و شر الأمور محدثاتها وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة.يقول تعالى في محكم تنزيله:"اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (1)خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (2)اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (3)الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (4)عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ "العلق 1-5.وقال تعالى:"إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ ).سورة فاطر 28وقال أيضا :"يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم و أهليكم نارا وقودها الناس والحجارة عليها ملائكة غلاظ شداد لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يأمرون .."التحريم آية 06.وقال أيضا:"إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ وَاللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ (15) فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَأَنْفِقُوا خَيْرًا لأنْفُسِكُمْ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (16)}التغابن آية:15/16.عَنْ كَثِيرِ بْنِ قَيْسٍ قَالَ كُنْتُ جَالِسًا مَعَ أَبِي الدَّرْدَاءِ فِي مَسْجِدِ دِمَشْقَ فَجَاءَهُ رَجُلٌ فَقَالَ يَا أَبَا الدَّرْدَاءِ إِنِّي جِئْتُكَ مِنْ مَدِينَةِ الرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِحَدِيثٍ بَلَغَنِي أَنَّكَ تُحَدِّثُهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا جِئْتُ لِحَاجَةٍ قَالَ فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ مَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَطْلُبُ فِيهِ عِلْمًا سَلَكَ اللَّهُ بِهِ طَرِيقًا مِنْ طُرُقِ الْجَنَّةِ وَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ لَتَضَعُ أَجْنِحَتَهَا رِضًا لِطَالِبِ الْعِلْمِ وَإِنَّ الْعَالِمَ لَيَسْتَغْفِرُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالْحِيتَانُ فِي جَوْفِ الْمَاءِ وَإِنَّ فَضْلَ الْعَالِمِ عَلَى الْعَابِدِ كَفَضْلِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ عَلَى سَائِرِ الْكَوَاكِبِ وَإِنَّ الْعُلَمَاءَ وَرَثَةُ الْأَنْبِيَاءِ وَإِنَّ الْأَنْبِيَاءَ لَمْ يُوَرِّثُوا دِينَارًا وَلَا دِرْهَمًا وَرَّثُوا الْعِلْمَ فَمَنْ أَخَذَهُ أَخَذَ بِحَظٍّ وَافِرٍ."سنن أبي داود(ج 10 / ص 49) أحبتي في الله :بالأمس بدأنا عطلة الصيف، واليوم نحن نستقبل عاما دراسيا جديدا، وسبحان الله كأنها ثلاث أو أربع ساعات.هكذا يا عبد الله سرعة انقضاء الأيام بل الشهور والسنين، سرعة في الزمن بشكل عجيب.بالأمس ولد لك مولود، واليوم قد انتهى من المرحلة الابتدائية بالأمس أدخلته المدرسة، واليوم تخرج من الجامعة سرعة وحركة في الزمن، وهي كذلك سرعة وحركة في عمرك ودنو أجلك يا عبد الله، قف يا أخي الطالب الحبيب هذه الوقفة، واستقبل مني هذه البرقية السريعة العاجلة، استرجع العام الدراسي المنصرم، بحلوه ومره، بأفراحه وأتراحه.بنجاحه ورسوبه، استرجع ذلك كله، وراجع سجلاتك ودفاترك وأنت تستقبل عاما دراسيا جديدا، ماذا قدمت؟ وماذا أخرت؟ ماذا لك؟ وماذا عليك؟ فإن كنت من الراسبين فصحِّح ذلك الرسوب بتوبة نصوح وعد إلى ربك، وإن كنت من الناجحين وظني بك كذلك فازدد من العمل وواصل المسير.إخوة الإيمان أيها الآباء و أيها الأولياء المحترمون ولَّاة أمور الطلبة والطالبات، لنعلم رعاكم الله أن البيت هو الدائرة الأولى من دوائر تنشئة الولد وصيانة عقله وخلقه ودينه.فماذا يصنع المدرس؟ أو ماذا تستطيع أو تعمل إدارة المدرسة؟ بل حتى وزارة التربية ماذا تصنع لطالب نشأ في بيت بعيد عن الأجواء الشرعية المنضبطة، و من آخر نشأ في بيت لا يحترم العلم وأهله ولا يعرف سبيلا للجد والتحصيل ، ومن ثالث نشأ في جو موبوء بالمنكرات، ورابع له أم مشغولة وأب تخلى عن واجبه ، فقد يستطيع الأستاذ أن يقطع خطوات في تربية الطالب وتوجيهه، لكنه جهد غير مضمون الثمرة، لأن تأثير البيت المعاكس يظل دائما عرضة لإفساد ما تحاوله المدرسة. وإن من أكبر التناقضات التي يعيشها الطالب والتي تكون سببا في انحرافه سلوكياً وسقوطه دراسيا هو التناقض الذي يعيشه بين توجيهات مدرس صالح ومتابعة إدارة جيدة وبين بيت موبوء بوسائل الإعلام المخالفة و المصادمة لتوجيهات المدرسة و الشرع على حد سواء.كيف سيتفوق طالب يقضي كل يوم أربع أو حتى خمس ساعات بين أفلام ساقطة وبرامج هدامة تهدم كل يوم لبنة من لبنات الفطرة السليمة في شخصيته ؟ ماذا تتوقع من طالب في سن المراهقة يعكف على مسلسلات قاعدتها الأساسية مظاهر الحب والغرام والعشق بين الجنسين ومسرحيات وتمثيليات تظهر مفاتن المرأة ومحاسنها؟ ثم يتمنى الأب أن يكون ولده في المرتبة السامية العليا من الأخلاق والأدب ومن السلوك الطيب، ويكون متفوقا في دراسته هذا لا يمكن أبدا.فاتقوا الله أيها الآباء واتقوا الله يا أولياء أمور الطلبة والطالبات، كونوا عونا وسندا لأولادكم في تقوى الله وفي التحصيل العلمي، ولا تكونوا سببا في انحرافهم بسبب محرمات أدخلتموها في بيوتكم ثم بعده فشل هذا الطالب في دراسته وحياته كلها.فالهدف من التعليم هو تخريج أجيال مؤمنة تربَّت على تقوى الله والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والعلم والتفوق والصبر، وإذا لم نحصل في النهاية على هذا الهدف فعملنا ضائع لا جدوى منه، ضائع في الدنيا قبل الآخرة..فكان لزاما أن يشارك الجميع في قضية التوجيه والإرشاد وصيانة خلق الطالب وأدبه، وعقله ودينه، وهذه ليست مهمة مدرس الفقه فقط..بل كل أبٍ و معلِّم هو مسئول عن هذا الجانب السلوكي المهم في حياة الأجيال ، حتى نحصل في النهاية على ذلك الشاب المسلم الصالح النافع لأمته.وإذا أهملنا هذا الجانب فإن الخسارة نتحملها جميعا، تصرف أموال بالملايين على التعليم ثم لا يؤدي هذا التعليم المطلوب منه، فيتخرج المهندس، ويتخرج الطبيب، ويتخرج الموظف، لكن ما الفائدة عندما يكون المهندس فاجرا و الطبيب فاسقا و الموظف خائنا؟ كم تخسر الأمة من تخريج أمثال هؤلاء؟ السبب: هو أن المؤسسات التعليمية لم تهتم بكل الجوانب في حياة الناشئة أضف إلى ذلك تقصير الوالدين فخلا الجو للناشئة ليتعلموا من الطباع ومن بذيء الكلام والأخلاق ما شاءوا،فقديما قالوا :وإذا المعلم ساء لحظ بصيرة - جاءت على يديه البصائر حولا.وإذا كان رب البيت للدف - ضاربا فشيمة أهل البيت الرقص.أيها الأولياء المحترمون :إن دوركم مع دور المدرسة صنوان وعمودان لخيمة نجاح الأبناء، لكن المدرسة تشتكي أباً لا يزورها ولا يحضر مجالس الأولياء، بل إذا حصلت مشكلة أو أزمة لابنه مع المدرِّس أو مع زملائه لا يكلف نفسه أن يسأل عن ملابسات الأمر.. المدرسة تشتكي أباً لا يطلع على كراريس أولاده ..! ولا يتابع واجبات أولاده ولا يساهم في تقويمهم وتسديدهم..أخي الولي :إن حضورك ولو مرة في الفصل مهمٌ في تربية أبنائك لعدة أمور:1-في ذلك تشجيع وتحفيز له على التحصيل وباعث له على التفوق –بإذن الله-، كما أن ذلك يشعره بالثقة والاطمئنان لقرب أبيه منه.2-قد يكون الابن يعاني من مشكلة أخلاقية أو نفسية أو صحية كضعف نطق أو نظر لا يعلمها الأب , وهذه المشكلة هي سبب في ضعف تحصيله وتقدمه, فيساهم حضور الأب وتفاعله في حلها وعلاجها. 3-الزيارة لها دورٌ إيجابي على الابن فبعض الطلاب في المنزل يكون هادئاً مؤدباً أمام والده هيبةً وخوفاً، ولكنه في المدرسة على النقيض من ذلك فهو مزعج أمام مدرسيه وزملائه ؟! ولو زار الوالد المدرسة لحل مثل هذا التناقض وهذه الازدواجية ومنها يعرف الوالد طبيعة ولده.4-في زيارتك أيها الولي تجعل المعلِّم يحرص أكثر ويهتمُّ بولدك أكثر ويحاسب نفسه لأنه يعلم أن وراء التلاميذ أولياء حريصين على تحصيل أولادهم وعلى سلوكهم.أقول ما تسمعون واستغفر الله لي ولكم فاستغفروه تجدوه غفورا رحيما.الخطبة الثانية :الحمد لله الذي خلق فسوى والذي قدر فهدى والحمد لله الذي أنار بصائر بنور العلم والحمد لله الذي رفع من شأن العلم والعلماء وأعد لمن سلك طريق العلم الجنان والصلاة والسلام على معلِّم البشرية وقدوة الأصفياء و الأنقياء والأتقياء ومعلِّم العلماء ما ذكره الذاكرون الأبرار وعلى صحابته الغر الميامين أفضل الرضا والتسليم أما بعد : أحبتي في الله :حتى نستطيع أن نحقق ما نصبو ا إليه من أهداف في أولادنا فلا بد أن نزرع فيهم الأهداف والمبادئ والقيم التي سطرناها لنحققها فيهم ، ولا يتحقق ذلك إلا بالجمع بين أن نعلمهم الهندسة والكيمياء والطب وعلوم العصر التي هي من أسباب التمكين لدين الله مصداقا لقوله تعالى :" و أعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم ..."، وأن نعلِّمهم من جانب آخر شرع الله تعالى ونبين لهم رسالتهم في الحياة ونغرس فيهم القيم والأخلاق الفاضلة، و نربيهم على حب هذا الدين والبذل له، وحب المسلمين والعمل على إعلاء كلمة الله، حتى يشبّ ويكبر ومعه هذه الهمّة في التفكير.وهذا الكلام ليس موجهاً للآباء فقط بل حتى للمعلم، فالهدف من التعليم: أن نربي جيلاً يفتخر بدينه، وينافح ويدافع عنه، وينشره في العالمين، إن كان طبيباً في عيادته، أو مهندساً في مصنعه، أو معلما في مدرسته..لا أن نربي جيلاً مهزوز العقيدة، منحط الأخلاق، لا قيم لديه، ولا هدف له في الحياة، همُّه شهوته وفرجه وماذا يجمع من حطام الدنيا...!!فقد قال حكيم: لا تحسبنَّ العلمَ ينفعُ وحدَه***ما لم يتوج ربُه بخلاقِ.أبنائي الطلبة:اعلموا و احرصوا على:1-أن تتأدبوا بأدب العلم معلميكم وأساتذكم ومشايخكم، مع زملائكم فالأدب مفتاح العلم، والاحترامُ والتقديرُ أساسُ الطلب، فيتعلمُ الطالبُ أدبَ الجلوسِ وأدبَ الاستماع وأدبَ السؤالِ والإنصاتِ وأدبَ الاعتذارِ والاستدراك.يقول الإمام الشافعي رحمه الله:( كنت أتصفح الورقة بين يدي شيخي مالك صفحاً رقيقاً لئلا يسمع وقعها )، ويقول الربيع:( والله ما اجترأت أن اشرب الماء والشافعيُ ينظرُ إليَّ هيبةً له ). فقد قال حكيم : قم للمعلم وفه التبجيلا*** كاد المعلم أن يكون رسولاً.2-أن تجِدُّوا وتطمحوا لطلب العلى فإن ذلك منتهى همة كل طالب ولا تشتغلوا بسفاسف الأمور واطلبوا معاليها، ولا يصدنَّكم عن ذلك السهر في تحصيله و التواضع للعلم و أهله فهذا ابنُ عباس ابنُ عم رسول الله صلى الله عليه وسلم ما منعه نسبه وعلو منزلته حين يبلغه الحديث عن رجل أن يأتي بابه وهو قائلٌ نائم, ولندع ابنَ عباسٍ يكمل ويصور حاله فيقول: ( فأتوسد ردائي على بابه تسفي الريح عليّ من التراب, فيخرج فيراني فيقول يا ابن عم رسول الله ما جاء بك هلا أرسلت إليّ فآتيك, فأقول لا أنا أحق أن آتيك قال: فأساله عن الحديث ). قال حكيم: من لم يذق ذلَ التعلمِ ساعةً ***تجرع كأس الجهالة طول حياته . ومن فاته التعلم وقت شبابه***فكبر عليه أربعا لوفاته -وينبغي أن يبدأ الطالب دراسته بكل همة ونشاط ومتابعة ودراسة لكي يُحَصِّل أكثر وأكثر. قال يحي بن أبي كثير:" لا يستطاع العلم براحة الجسم " مسلم، يقول أحد العلماء: من لم تكن له بداية مُحْرِقة لم تكن له نهاية مشْرِقة.في الختام أحبتي في الله إن مهمة تربية الأجيال هي مسؤولية الجميع من آباء و معلمين ومن مسئولي المؤسسات والجمعيات الثقافية والرياضية فلنتق الله جميعا في أولادنا ولندفع بهم إلى تقوى الله تعالى وإلى الرقي الحضاري والازدهار وقيادة العالم ، وما ذلك على الله بعزيز ، عباد الله إن الله يأمر بالعدل والإحسان و إيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون ، اللهم ألهمنا مراشد أمورنا اللهم أصلح فينا ما ظهر وأصلح فينا ما بطن و أصلح شبابنا وشباب المسلمين ، اللهم أبرم لهذه الأمة أمرا رشدا يعيده إلى دينك والعزة والتمكين لهذا الدين ...آمين.