إنّ الحَمدَ لله نَحمُدهُ ونستعينهُ ونستغفرهُ ونعوذُ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، الحمد لله الذي خلق السموات والأرض وجعل الظلمات والنور، ثم الذين كفروا بربهم يعدلون " ، " الحمد لله فاطر السموات والارض، جاعل الملائكة رسلا أولي أجنحة مثنى وثلاث ورباع يزيد في الخلق ما يشاء إن الله على كل شيء قدير " وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله النذير البشير، بلغ الرسالة وأدى الأمانة ونصح الأمة، وأخرجها من ظلمات الجهل، إلى ميادين العلم والتنوير، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.
" يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون " ، " يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيراً ونساءً واتقوا الله الذي تسّاءلون به والارحام إن الله كان عليكم رقيباً " ، " يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولاً سديدا يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزاً عظيماً " . . . أما بعد :
الحمد لله القائل وقوله الحقّ: "تَبَارَكَ الذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَىا كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ(1) الذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمُ أَيُّكُمُ أَحْسَنُ عَمَلاً وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ(2)" الملك.
أيّها الإخوة المومنون إن الله تعالى خلق بني آدم وجعل أنفاسهم معدودة وآجالهم محدودة :" فَإِذَا جَآءَ اَجَلُهُمْ لاَ يَسْتَاخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ(34)"الأعراف
أيّها النّاس لقد كثرت الوفيات في هذه الأيّام،"وَإِن مِّنكُمُ إِلاَّ وَارِدُهَا كَانَ عَلَىا رَبِّكَ حَتْمًا مَّقْضِيًّا(71)"مريم. منهم الشيخ الذي جاوز المائة من عمره، ومنهم الأرملة التي عمرت كثيرا،ومنهم الكاهل الذي باغته الأجل المحتوم إثر حادث مروع أليم. فيا معشر المومنين أوصيكم ونفسي بتقوى الله وامتثال قوله:" يَآ أَيـُّهَا الذِينَ ءَامَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرُم بِمَا تَعْمَلُونَ(18)" الحشر.
تلكم هي بداية دار أخرى يمحَص فيها الصادق من الكاذب،والمؤمن من الكافر،ويميزُ فيها الخبيث من الطيّب،والمعوجّ من المستقيم،وفيها ينجلي الحقّ،فينكشف للمدّعي باطلُ ادّعائه،وتظهر للمؤمن الصادق علاماتُ نجاته،فلا خوف عليه ولا حزن،إنّما هو الأمن الدائم والسرور الأبدي والنعيم السرمدي:" إِنَّ الذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلآَئِكَةُ أَلاَّ تَخَافُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ التِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ(30) نَحْنُ أَوْلِيَآؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الاَخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ(31) نُزُلاً مِّنْ غَفُورٍ رَّحِيمٍ(32) "فصلت.
فيا أحبة الله إعلموا أن الله خلق الثّقلين(الجنّ و الانس) لحكمة بالغة خلقهم ليبلوَهم أيهم أحسن عملا، خلقهم ليعبدوه وحده لا شريك له، ليخلِصوا له العبادة، وخلق الليل والنهار وجعلهما خزائن للأعمال تحصي على العبد ما له وما عليه " ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد " ، " وكل شيء أحصيناه في إمام مبين " ، واعلموا أيها الناس أن هذه الدنيا مزرعةٌ للآخرة ، يفوز فيها المتقون ، ويخسر فيها الغافلون ، ومن حكمته سبحانه أنه لم يجعل هذه الدار للبقاء والاستمرار، وإنما جعلها دار ممر واعتبار ، فالرابح من صلَح زرعه ، والخاسر من فسَد ثمره ، وكل الناس يعلم أنما هذه الحياة الدنيا هي سريعةُ الزوال، وشيكةُ الارتحال، ولقد قال الله لنبيه الكريم " وما جعلنا لبشر من قبلك الخلد أفئن متّ فهم الخالدون " ، فالبقاء لله الواحد القهار ، قال تعالى : " يوم هم بارزون لا يخفى على الله منهم شيء لمن الملك اليوم لله الواحد القهار * اليوم تجزى كل نفس بما كسبت لا ظلم اليوم إن الله سريع الحساب " .
ولله در القائل:
تزوّد من التّقوى فإنك لا تدري *** إذا جن ليلٌ هل تعيش إلى الفجـر
فكـم من فتى أمسى وأصبح ضاحكا *** وقد نُسجت أكفانه وهو لا يـدري
وكم من صِغار يُرتجى لهم طول العمر *** وقد أُدخلت أجسادهم ظلمةَ القبـر
وكـم من عروس زينوها لعرسـهــــــــا *** وقد قُبضت أرواحهم ليلـة القـدر
وكـم من صحيح مات من غير علة *** وكم من سقيم عاش حينا من الدهر
فـمن عـاش ألفـا وألفيـن إنــــــــــه *** لابـد من يـوم يسـير إلى القبـــــــر
ممّا سبق يتبين لنا إخوة الإيمان أن الله كتب الفناء على كل شيء " كل شيء هالك إلا وجهه له الحكم وإليه ترجعون " ، وحكم بالموت على كل حي " كل من عليها فان ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام " ، " كل نفس ذائقة الموت ثم إلينا ترجعون " .
في السنة الحادية عشرة للهجرة ، كان المرض قد اشتد برسول الله صلى الله عليه وسلم ، وسَرت أنباء مرضه بين أصحابه ، وبلغ منهم القلق مبلَغه ، واشتد الوجع برسول الله صلى الله عليه وسلم ، فدعا فاطمة فسارّها أي أخبرها سرّا أنه سيُقبض في وجعه هذا ، فبكت لذلك ، فأخبرها أنها أولُ من يتبعه من أهله ، فضحكت ، واشتد الكرب برسول الله صلى الله عليه وسلم ، وبلغ منه مبلَغه ، فقالت فاطمة : واكرب أبتاه ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا كرب على أبيك بعد اليوم ، وأوصى وصيّته للمسلمين وهو على فراش موته فقال : الصلاة الصلاة ، وما ملكت أيمانكم ، وكرّرها مراراً ، واشتد الألم برسول الله صلى الله عليه وسلم ، فجعل يُدخل يديه في رَكوة فيها ماء ، فيمسح وجهَه بالماء وهو يقول : لا إله إلا الله ، إن للموت لسكرات ، ثم شخَص بصرُ رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وتحركت شفتاه قائلا :مع الذين أنعمت عليهم من النبيّين والصدّيقين والشهداء والصالحين، اللهم اغفر لي و ارحمني وألحقني بالرفيق الأعلى ، اللهم الرفيق الأعلى ، اللهم الرفيق الأعلى ، اللهم الرفيق الأعلى، وفاضت روح خير خلق الله ، مات رسول الله صلى الله عليه وسلم ، مات من أرسله الله رحمة للعالمين مات من أخرج اللهُ به النّاسَ من الظلمات إلى النور ، فإنا لله وإنا إليه راجعون ، إنّه الموت يا عباد الله ، الموت الذي لا مفر منه ولا انفلات ، لا يعرف صغيراً ولا كبيراً ، ولا ذكراً ولا أنثى ، ولو نجا منه أحد لنجا منه أنبياء الله ورسُله وصفوة خلقه ، ولكنه قدراً مقدوراً ، ففرّوا إلى الله أيها الناس واعتصموا بكتابه وسنّةِ نبيه صلى الله عليه وسلم ، وتوبوا إليه سبحانه فهو الغفور الرحيم ، وتداركوا أنفسكم قبل فوات الأوان ، قبل أن تقول نفسٌ يا حسرتى على ما فرطت في جنب الله وإن كنت لمن الساخرين .
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم ، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم ، أقول ما تسمعون وأستغفر الله العظيم لي ولكم ولجميع المسلمين من كل ذنب وتقصير ، فاستغفروه وتوبوا إليه إنه كان للاوّابين غفوراً.
الخطبة الثانية: الحمد لله وكفى ...
عباد الله .. كفى بالموت واعظا.. ووالله لو كان الأمر سينتهي بالموت لهانَ الأمر، لكنه مع شِدّته وهوْله، أهونُ مما يليه من القبر وظُلمته، وكل ذلك هَيّن إذا قورن بالوقوف بين يدَي الله الكبير المتعال، في موقف ترتجّ له النفوس ، وتنْخلع له القلوب .
روى الترمذي وغيره أن سيدنا عثمان رضي الله عنه كان إذا وقف على قبر بكى حتى تبتلّ لحيته فقيل له تذكرُ الجنةَ والنارَ فلا تبكي وتبكي من هذا؟ فقال إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال إن القبر أول منازل الآخرة فإن نجا منه فما بعدَه أيسُر منه وإن لم ينج منه فما بعدَه أشدُّ منه . قال وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما رأيت منظرا قط إلا القبرَ أفظعُ منه .
أيّها الإخوة المومنون كم من حبيب وَدّعنا و نحن أيضا سنوَدّع،وكم من جنازة شيّعنا ونحن سنُشيّع،وكم من ميّت في قبره أودعنا ونحن يقينا في قبورنا سوف نُودع، ننسى كلّ ذلك أو نتناسى،ونغفل عنه أو نتغافل، وكأنّه أصابنا جمود حِسّي،فلا تُحرّكنا العظات ولا تهُزّنا النّكبات؛إنّنا في دنيانا هذه نسعى وكأنّنا اطّلعنا على الآجال، لذلك استبعدنا الموت وطوّلنا الآمال،أما والله لو كشُف الغطاءُ، لاشتغل المحسن بإحسانه فضاعف عمله واستزاد،ولاشتغل المسيء بإساءته،فلَوى عنان نفسه وأقلع وأناب.
عباد الله،إنّما يستعدّ للحظة الحاسمة للموت، من كان قلبُه حيّا،فتلقّى الموعظة وهو يخشى،وأمّا من كان قلبُه ميّتا فهو كالصخر لا تحرّكه الذّكرى،وكالعود اليابس لا تنفعه السُّقيا:"أَوَمَن كَانَ مَيِّتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِّنْهَا كَذَالِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ(122) الأنعام.
أخي المؤمن الراجي رحمة ربّه،إنّ الِاستعداد للموت أن تُصحّح وضعيّتك تُجاه ربّك فيما يتعلّق بما أمر ونهى،وأن تصحح علاقتَك بينك وبين الناس معاملة ومعاشرة،وذلك بأن تبذل لهم إحسانك وتنفعَهم بما تستطيع،ولا تمدنّ يديك إليهم بظلمٍ،ولا لسانك على أعراضهم بسوء،وأن تُحالِلَهم في أقلّ مظلمة كانت لهم عليك،وأن تُبْرئ ذمّتك من كلّ تبعة.
وإنّ الِاستعداد للموت أن تسارع إلى التّوبة من معاصيك ما كبُر منها وما صغُر،وتُكثر الاستغفار لربّك العزيز الغفّار؛ وإنّ الِاستعداد للموت أن تكبح شهوات نفسك بذِكركَ للموت،وأن لا تستغرق في الأمل الذي لا يكون مقرونا بذِكر الأجل.
فاتقوا الله عباد الله واستغفروه واعلموا أنكم إليه راجعون ، واعلموا أن أقدامكم على النار لا تقوى، وأن ملكَ الموت قد تخطاكم إلى غيركم، وسيتخطى غيرَكم إليكم، فخذوا حذركم ، فـ " الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت، والعاجز من اتبع نفسَه هواها، وتمنى على الله الأماني "
فاللهمّ ألهمنا مراشد أمورنا وثبتنا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة،اللهمّ إنّا نسألك موجبات رحمتك،وعزائم مغفرتك،والغنيمة من كلّ برّ،والسلامة من كلّ إثم ،والفوز بالجنّة والنّجاة من النّار يا أرحم الراحمين. اللهم اجعل خير أعمارنا آخرها وخير أعمالنا خواتمها وخير أيامنا يوم نَلقاك، اللهم أطل أعمارَنا وأصلح أعمالنا، اللهم امنُن علينا بتوبة نصوح قبل الموت وشهادةٍ عند الموت ورحمةٍ بعد الموت يا رب العالمين. اللهم اختم لنا بخاتمة الصالحين السعداء، واجعلنا ممن كتبت لهم الحسنى وزيادة، يا كريم يا رحيم.
وصلّ اللهمّ وسلّم وبارك على سيدنا محمد خاتم الأنبياء والمرسلين،سبحان ربك ربّ العزّة عمّا يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله ربّ العالمين.