مسؤولية تربية الأولاد

بسم الله الرحمن الرحيم إن الحمد لله نحمده  و نستعينه  و نستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا و من سيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لا  إله  إلا الله وحده لا شريك له  و أ شهد أن محمدا عبده ورسوله  e .قال الله تعالى:"يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منها رجالا كثيرا و نساء واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيبا ".النساءو قال أيضا:"يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله و قولوا قولا سديدا  يصلح لكم أعمالكم و يغفر لكم ذنوبكم ومن يطع الله  و رسوله فقد فاز فوزا عظيما  "الأحزاب .71أما بعد فإن أصدق الحديث كتاب الله وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم و شر الأمور محدثاتها وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة.يقول تعالى في محكم تنزيله:"يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم و أهليكم  نارا وقودها الناس والحجارة عليها ملائكة غلاظ شداد لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يأمرون .."التحريم آية 06.وقال أيضا:"إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ وَاللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ (15)فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَأَنْفِقُوا خَيْرًا لأنْفُسِكُمْ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (16)} التغابن آية 15/16.أحبتي في الله إن الله تعالى خلق الإنسان في هذه الحياة  للابتلاء والعمل الصالح ثم توفىَّ  كل نفس ما كسبت يوم القيامة و هم لا يظلمون فمن عمل صالحا فلنفسه  ومن أساء فعليها و ما ربك بظلام للعبيد،"تبارك الذي بيده الملك وهو على كل شيء قدير الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملا وهو العزيز الغفور "ومن الابتلاء الذي يبتلى به المسلم في الحياة مسؤولية  الأولاد ؛ فهم هبة من الله تعالى يهبها للإنسان ، ونعمة  من النعم ، وزينة من زينة الحياة الدنيا قال تعالى :"زين للناس حبُّ الشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة...". عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ كُلُّكُمْ رَاعٍ وَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ فَالْإِمَامُ رَاعٍ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ وَالرَّجُلُ فِي أَهْلِهِ رَاعٍ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ وَالْمَرْأَةُ فِي بَيْتِ زَوْجِهَا رَاعِيَةٌ وَهِيَ مَسْئُولَةٌ عَنْ رَعِيَّتِهَا وَالْخَادِمُ فِي مَالِ سَيِّدِهِ رَاعٍ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ قَالَ فَسَمِعْتُ هَؤُلَاءِ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَحْسِبُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ وَالرَّجُلُ فِي مَالِ أَبِيهِ رَاعٍ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ فَكُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ"صحيح البخاري -(ج 8 / ص 253)إخوة الإيمان إن المتأمل في قوله تعالى:"..قوا أنفسكم  و أهليكم  نارا وقودها الناس والحجارة ..."يجد الله تعالى يخاطبنا بخطابين مختلفين الأول ،خطاب للعقل :قوا أنفسكم و أهليكم نارا ،قضية موجَّهةٌ  إلى ذوي العقول السليمة التي تدرك أن وراء خطاب  الله تعالى المصلحة ،أما الخطاب الثاني  :فهو الذي  يستجيش الله تعالى به العواطف والمشاعر ويستعطف به القلوب إلى  إدراك ذلك المصير المشئوم والمحتوم  لمن لم يقي نفسه وأهله من تلك النار التي ستسعَّرُ بالناس  والحجارة  وكأن الله تعالى يقول للوالدين اللذين لم يربيا أولادهما و لم يحملوهم على تقوى الله أن مصيرهم ستسعَّرُ بهم النار  فهو تعجيل لتصوُّرِ المصير الذي سيلحقهم ؛ لا سامح الله ، لعلَّ الوالدين تأخذهما رأفة ورحمة بأولادهما فيربياهم تربية تنجيهم من النار. أحبتي في الله إن الحديث في موضوع التربية حديث  ذو شجون ، وما سأخصُّ به حديثي هذا، ما يتعلق بالعطلة الصيفية طويلة الأمد التي من شأنها أن ترفع أولاداً  درجات وتنزل بآخرين دركاتٍ  لا قدر الله إن ساء المربي لحظ بصيرة .أحبتي  في الله إن العملية التربوية :هي مجموع تلك الأدوار التي يقوم بها الوالدين تجاه أولادهما، ومن هذه الأدوار:مراقبة  وبرمجة وتنظيم  أوقات الفراغ في العطل بما يعود على أولادنا بالفائدة .فمن المراقبة التي ينبغي أن تكون من أهم أولويات العملية التربوية أن لا نترك أولادنا يفعلون ما يحلوا لهم ويعاشرون من يشاءون من الرفاق ، ويذهبون أين شاءوا ويتسكَّعون في الوديان والشوارع، ويملئون الساحات ويُؤْذون المارَّة بقبيح الكلام أو بالمعاكسات أو  بالكرة أو بغيره من الضرر و الأذى الذي قد يلحق الخاص والعام من مصالح المجتمع .قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه:" إن يكن الشغل مجهدة فإن الفراغ مفسدة "مجمع الأمثال (ج 1 ص 39)و قال حكيم :"إن الشباب والفراغ و الجده  مفسدة للمرء أيما مفسدة ".فلنعلم أحبتي في الله أنّ الفراغ قاتل للإنسان ، وأن الوقت هو سرُّ وجودنا فلا ندع ما هو أصل وجودنا يضيع  دون أن نستفيد منه.عَنْ أَبِي بَرْزَةَ الْأَسْلَمِيِّ قَالَ  قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا تَزُولُ قَدَمَا عَبْدٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى يُسْأَلَ عَنْ عُمُرِهِ فِيمَا أَفْنَاهُ وَعَنْ عِلْمِهِ فِيمَ فَعَلَ وَعَنْ مَالِهِ مِنْ أَيْنَ اكْتَسَبَهُ وَفِيمَ أَنْفَقَهُ وَعَنْ جِسْمِهِ فِيمَ أَبْلَاهُ " سنن الترمذي - (ج 8 / ص 443)عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:"نِعْمَتَانِ مَغْبُونٌ فِيهِمَا كَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ الصِّحَّةُ وَالْفَرَاغُ "صحيح البخاري - (ج 20 / ص 33). قال الحسن البصري رحمه الله:" .. إن أنت يا ابن آدم إلا أيام ولحظات فإذا ذهب يومك ذهب بعضك..."أقول ما تسمعون وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه تجدوه غفورا رحيما.الخطبة الثانية:الحمد الذي خلق فسوى والذي قدر فهدى والذي وهبنا بنين وحفدة  وجعل من شاء عقيما والصلاة والسلام على معلِّم البشرية محمد صلى الله عليه وسلم الذي كان أفضل معلم ٍوأبٍ صلى الله عليه  وسلم ما دامت السماوات والأرض وما ذكر ه الذاكرون الأبرار.أحبتي في الله :إن الحديث عن الفراغ  في حياة أولادنا يستدعي منا إيجادُ البدائل  والبرامج النافعة التي تشكِّل شخصيتهم  في مستقبل الأيام  وتصنع منهم قادةً ومغيِّرِين ودعاة إلى دين الله  ، وهذا من صميم مسؤولية الوالدين  التي سيحاسبان عنها بين يدي الله تعالى يوم القيامة  ماذا عملا  فيما أوكل إليهما من المسؤوليات أحفظا أم ضيَّّعا، وإنه من تمام مِنَّةِ الله علينا ونعمِه أن كان مجتمعنا زاخِرًا والحمد لله بالبرامج الصيفية  التكوينية للناشئة ، وهي متنوعة في عدة مجالات  من تحفيظ للقرآن الكريم  ، ومن برامج ثقافية  فكرية  ومكتبية  و دوراتٍ في علوم وفنون شتَّى وأخرى كشفيَّةٍ  وأخرى رياضية ؛ تجعل الحجَّة قائمة ًعلينا معشر الآباء والمربِّينَ ، فلا يسعك أيها الأب الكريم  إلا أن تُقنع ولدك  وترغِّبَهُ في الالتحاق والانضمام إلى إحدى هذه المؤسسات والمنظَّمَاِت والجمعيَّاتِ  ، بعد أن تختار له البرنامج الذي يناسب عمره و رغبته ، فتوفُّرُ الرُّغبَةِ شرط أساسي لنجاح  البرنامج  من جانب ،ومن جانب آخر لا نغفل ضرورة توفُّرِ  البيئة المساعدة على العملية التربوية من خلال هذه النقاط :1.مراعاة مبدأ الأخلاق والدين في المسيِّرين والمباشرين للعمليَّة التربويةَّ في المؤسسة التي سينظم إليها ولدك.2.إطِّلاع الولي على البرنامج التفصيلي لهذه المؤسسة وما ستقدمه لولده.3.تعرُّفُ الولي على المباشرين للعملية التربوية من خلال زيارة ميدانية، و تعرُّفُه على رفقاء ولده خاصة إذا كان البرنامج مغلقا.4.في حال وجود مخيمات أو خرجات ميدانية  فلا بد للولي من توعية ولده ببعض القضايا الأخلاقية التي قد يدنِّس بها عِرضَهُ بحكم الجهل أو بغفلة الرقيب  من الأساتذة و المدرِّ بين فذلك جائز في حق البشر فجلَّ من لا تأخذه سِنَةٌ أو نوم  ومن لا يغفل.      أيها الأحبة في الله مما يجب أن نعلمه كمربِّين أن مرحلة الشباب هي مرحلة التكوين في شتى ميادين الحياة   من معارف ومن حرف و هي مرحلة  اكتشاف المهارات  في أولادنا  وتثمينها بمنح الفرص المناسبة لهم لتطوير هذه المهارات  التي من شأنها أن تدفع بالمجتمع في مستقبل الأيام نحو الأحسن و الأفضل و ريادة  الأمة و ما ذلك على الله بعزيز فبالإرادة والإقدام  والتفوق نصل إلى ما وصلوا إليه  وأفضل، فالمسلم خَلَقَهُ ليكون شاهدا على البشرية جمعاء قال تعالى :" و كذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا "فالشهود الحضاري يقتضي منا كمسلمين أن نكون حاضرين في أماكن صناعة القرار العالمي و لا يكون  ذلك إلا بالتفوق العلمي والاقتصادي ، كما كان الرعيل الأول من هذه الأمة  في العصور الذهبية إذ كانوا قادة وسادة للعالم  بل كانوا هم الذين يرسمون للعالم  خريطته ومنهجه .في الختام أحبتي في الله إن مهمة تربية الأجيال هي مسؤولية الجميع من آباء  و معلمين ومن مسئولي المؤسسات والجمعيات الثقافية والرياضية  فلنتق الله جميعا في أولادنا ولندفع بهم إلى تقوى الله تعالى وإلى الرقي الحضاري والازدهار وقيادة العالم  ، وما ذلك على الله بعزيز ، عباد الله إن الله يأمر بالعدل  والإحسان و إيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء  والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون ، اللهم  ألهمنا مراشد أمورنا اللهم أصلح فينا ما ظهر وأصلح فينا ما بطن و أصلح شبابنا وشباب المسلمين ، اللهم  أبرم لهذه الأمة أمرا رشدا يعيده إلى دينك والعزة والتمكين لهذا الدين ...آمين.

أكتب تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *