ضوابط الفرح في الإسلام

إن الحمد لله نحمده ، و نستعينه ، ونستغفره ، ونعوذ بالله من شرور أنفسناومن سيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأ شهد أن محمداً عبدُه و رسولُه. (يَاأَيها الذين آ مَنُوا اتقُوا اللهَ حَق تُقَا ته ولاتموتن إلا وأنتم مُسلمُون). (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَتَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً).  (يَا أيها الذين آ منوا اتقوا الله وقولوا قَو لاً سَديداً يُصلح لَكُم أَ عما لكم وَ يَغفر لَكُم ذُ نُو بَكُم وَ مَن يُطع الله وَ رَسُولَهُ فَقَد فَازَ فَوزاً عَظيماً)
وبعد؛ أيها الإخوة المؤمنون إن ديننا هو الإسلام دين وسطية واعتدال (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً) وما من غريزة أو شهوة  الإسلام لم يكبتها كما فعلت النصرانية أو يتركها مطلقة كالبهائم كما فعلت الحضارة الغربية وإنما جعل لها ضوابط وحدودا تنظمها، فمن بين هذه الغرائز الفرح الذي يعبر به الإنسان عند ابتهاجه، الفرحُ سلوكٌ فطري وهدفٌ منشود، وكلّ الناس يسعَى إلى فرحِ قلبِه، وزوالِ همِّه وغمِّه، وتفرُّق أحزانِه وآلامِه.
والحمد لله في دينِنا فُسحة، أتاح للمُسلمُ مناسبات يعبر فيها عن فرَحه وسُرُوره، ويبتهِجُ في مواسِم البهْجة والأعياد، والتعبيرُ عن الفرحة يُنعِشُ النفس، ويُجدِّدُ النشاط؛ بل تقتضِي هذه المواسِم أن نعيشَ الفرحَة في كلِّ لحَظاتها، والبهجَة بكل معانِيها ولكن في إطار الشَّرع، وضوابِط الدِّين، ومُرتكَزات القِيَم والأخلاق دون خدشٍ للحياء وتعد لحدود الله.
إخواني الأعزاء إذا تأملنا موضوع الفرح في كتاب الله وجدنا معانيه عميقة وواسعة نكتفي بما يسمح به الوقت، فالقرآن قسم الفرح إلى مذموم ومحمود.
فتأملوا أيها الناس في كتاب الله تجدوا أن الفرح المذموم يتصف به الكفار والمنافقون، فالمنافق يفرح عندما يترك فريضة ويضيع حقا من حقوق الله أو العباد أو يقترف ذنبا لقوله تعالى (فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلافَ رَسُولِ اللَّهِ وَكَرِهُوا أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَالُوا لا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرّاً لَوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ} التوبة:81.
كما تجدون أن الكفار والمنافقين يفرحون، إذا مسَّ المسلمين قَرْح أو نزلت بهم مصيبة وتبدو عليهم مظاهر الإعجاب؛ لأنهم احتاطوا لأنفسهم، فنجوا وأصيب غيرهم: {إِنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ يَقُولُوا قَدْ أَخَذْنَا أَمْرَنَا مِنْ قَبْلُ وَيَتَوَلَّوْا وَهُمْ فَرِحُونَ} التوبة:50. {إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا} آل عمران:120. فما أعظم فرحة الكفار اليوم بالمسلمين يقتل بعضهم بعضا وما نراه اليوم في بلاد العراق وسوريا يدمي القلب وفي الوقت نفسه يملأ قلوب اليهود والكفار فرحا وسرورا.
أيها الناس إعلموا أن أي فرح فيه ظلم للغير أو إسراف وتبذير هو فرح بغير حق يعود على صاحبه بالخزي والحزن في الدنيا والآخرة فتأملوا هذا المشهد من مشاهد يوم القيامة (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ أَنَّى يُصْرَفُونَ، الَّذِينَ كَذَّبُوا بِالْكِتَابِ وَبِمَا أَرْسَلْنَا بِهِ رُسُلَنَا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ*إِذِ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَالسَّلَاسِلُ يُسْحَبُونَ *  فِي الْحَمِيمِ ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ * ثُمَّ قِيلَ لَهُمْ أَينَ مَا كُنْتُمْ تُشْرِكُونَ*مِن دُونِ اللَّهِ قَالُوا ضَلُّوا عَنَّا بَل لَّمْ نَكُن نَّدْعُواْ مِن قَبْلُ شَيْئاً كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ الْكَافِرِينَ  * ذَلِكُم بِمَا كُنتُمْ تَفْرَحُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنتُمْ تَمْرَحُونَ  * ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ } غافر70-76. فمن الفرح بغير حق ما نراه من تقليد المسلمين للنصارى في أعيادهم مثل ما نراه في أعياد السنة الميلادية وما يرتكبه المسلمون من انتهاك الحرمات وتبذير الأموال في الألعاب النارية والحفلات الماجنة وأعظم من ذلك أن يكون في ليلة مولد سيد الخلق النبي محمد صلى الله عليه وسلم، فكل هذه المظاهر من الفرح الذي فيه تبذير للأموال وترويع للآمنين هو فرح بغير حق ومحرم في شرعنا، ومثل هذا ما نراه هذه الأيام في أعراسنا عند نقل موكب العروس تجرويت من إطلاق أبواق السيارات وإشعال الألعاب النارية وإطلاق البارود وتبرج النساء وتصويرهن واختلاطهن بغير محارمهن كل هذا فرح بغير حق يكون حسرة وهلاكا لأصحابه يوم القيامة.
أيها الناس إعلموا أن أي فرح فيه سخرية من الآخرين واستنقاصا من قدرهم ظلم عظيم نجد ذلك في قوله تعالى (إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُواْ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ، وَإِذَا مَرُّواْ بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ، وَإِذَا انقَلَبُواْ إِلَى أَهْلِهِمُ انقَلَبُواْ فَكِهِينَ،..... فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُواْ مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ)
والمسلم يفرح فرحا من غير ظلم ولا إسراف، فيعبر عن شعوره فيرضي به ربه، ولنا في رسول الله إسوة حسنة عند انتصاره وفتحه لمكة دخلها شاكرا لربه مطأطأ لرأسه غير منتقم لنفسه من خصومه وإنما قال لهم (إذهبوا فأنتم الطلقاء) وعندما قدم جعفر بن أبى طالب - رضي الله عنه - من الحبشة إلى المدينة، يوم أن فتح الرسول - صلى الله عليه وسلم - خيبر, فتلقاه الرسول - صلى الله عليه وسلم - وقَبَّل جبهته، وقال: ((والله ما أدري بأيّهما أفرح: بفتح خيبر أم بقدوم جعفر؟)) 47, جـ2, ص 144.
 فالمسلم يفرح إذا عمل صالحا ويفرح بنعمة الله وفضله من هدي القرآن وسنة رسول الله، يفرح لفريضة أداها أو لرحم وصلها، أو علم حصله {يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءتْكُم مَّوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَشِفَاء لِّمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ * قُلْ بِفَضْلِ اللّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ} يونس : 57-58. {وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَفْرَحُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ}
والمؤمن يفرح بنصر الله تعالى لأهل الحق (وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ * بِنَصْرِ اللَّهِ يَنصُرُ مَن يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ}.
اللهم انصر دينك واجعلنا من جندك وأشهدنا فرحة نصرة الحق وفرحة لقاءك في دار الخلد.
 (إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً)
الحمد لله الذي أضحك وأبكى وجعل الآخرة خيرا من الأولى ونصل على سيد الخلق محمد (ص) الذي كان ضحكه تبسما وفرحه شكرا لله تعالى.
عباد الله إن الفرح المحمود - الذي سبق الحديث عنه – لا يتوقف في الدنيا فقط، إنما يمتد إلى الآخرة عكس فرح المنافقين والكافرين ينقلب عليهم حسرة يوم القيامة.
لقد ذكر القرآن الكريم فرحة الشهداء، وهم أولئك الذين فرحوا بالإسلام في الدنيا؛ فهانت عليهم أرواحهم في سبيله؛ فماتوا من أجله؛ فامتد فرحهم إلى الآخرة؛ يقول الله تعالى: {وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ * فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلاَّ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ} آل عمران : 169-170.
إن فرح المؤمن بلقاء الله يفوق الوصف, حين يقال له: {يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً * فَادْخُلِي فِي عِبَادِي * وَادْخُلِي جَنَّتِي} الفجر : 27-30 فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ * فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَاباً يَسِيراً * وَيَنقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُوراً}
كذلك قوله تعالى في شأن أهل الجنة: {وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُوراً} الإنسان: 11 (وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ (38) ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ) عبس: 38، 39
يقول أحد الدعاة إنك يوم ولدت كنت تبكي وأهلك من حولك يضحكون فرحا بك فاحرص أن تكون يوم موتك فرحا بلقاء ربك وأهلك من حولك يبكون.
أيها الأحبة نلخص قائلين أن الله شرع لعباده أن يعبروا عن بهجتهم وفرحهم في شروط هي كالآتي:
أن يكون فرحك ليس فيه تقليد لغير المسلمين.
ليس فيه ظلم أو سخرية من خلق الله.
ليس فيه إسراف أو تبذير أو تعد لحدود الله.
اللهم إنا نسألك بأسمائك الحسن وصفاتك العلا أن تصلي على حبيبنا محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وعلى أصحابه المهاجرين والأنصار ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
اللهم اجعل أفراحنا ومناسباتنا شكرا لك وابتغاء لمرضاتك واجعل فرحتنا يوم لقائك وورود حوض نبيك ودخول جناتك.
اللهم اجعل فرحتنا يوم نصرتك للمسلمين المستضعفين ونصرة الحق.
رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ، وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آَمَنُوا، رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيم.
اللهُمَّ أَصْلِحْ ذَاتَ بَيْنِنَا، وَأَلِّفْ بَيْنَ قُلُوبِنَا، وَاهْدِنَا سُبُلَ السَّلَامِ، وَنَجِّنَا مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ، وَجَنِّبْنَا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ.
اللهم صل على سدينا محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ والحمد لله رب العالمين - وأقم الصلاة -

أكتب تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *