تصرفات و مضاهر تنبأ بخطر قد تهوي بالمجتمع في سقر

إن الحمد لله نحمده و نستعينه و نستغفره و نعود بالله من شرور أنفسنا و من سيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له و أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له القائل{ والمؤمنون و المؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف و ينهون عن المنكر ويقيمون الصلاة و يوتون الزكاة و يطبعون الله ورسوله أولئك سيرحمهم الله إن الله عزيز حكيم } و أشهد أن محمدا عبده ورسوله القائل{ مثل المؤمنين في توادهم و تراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد  الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر و الحمى}  أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله وخير الهدي هدي محمد ص وشر الأمور محدثاتها و كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة .
خلق الله الإنسان في هذه الحياة ليعيش آمنا مطمئنا وضمن له حقوقه كاملة ووفر له كل الوسائل التي تخوله ليعيش سعيدا وكرمه وفضله على كثير ممن خلق و هو القائل : { ولقد كرمنا بني آدم وحملناه في البر و البحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا }. واعتبر الشارع الذي تتوفر له وسائل العيش من أسعد الناس وذلك في ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: { من أصبح آمنا في سربه معافى في بدنه يملك قوت يومه فكأنما حيزة له الدنيا بحذافرها }. كما أمره بحفظ و سلامة ما يتوصل به إلى تحقيق تلك السعادة. كما قال الأصوليون: من مقاصد الشريعة الكبرى لكل فرد حفظ الدين وحفظ النفس وحفظ العقل وحفظ العرض وحفظ المال : فكيف بالذي يتعدى على غيره بالمساس على إحدى هذه المقاصد .
يا أبناء مجتمعني لنسقط هذه المفاهيم على مجتمعنا ولننصف ضمائرنا ولننقها من كل الخلفيات ولننبذ المصالح الشخصية وراء ظهريا ولنضع المصالح العامة قبل أي اعتبار و لنضعها من الأولويات ثم نصدع بالحقيقة دون التواء عند ذلك يتبين لنا جليا بأن مجتمعنا قد ابتعد عن هذا النهج القويم وذلك بما طرا عليه من فلسفات عقيمة وخلافات سقيمة وأخلاق ذميمة وأحقاد دفينة أوصلة المجتمع إلى ما نشاهده بأم أعيننا وما كان بخطر ببال أحد منا أن يتردى هذا التردي رغم ما يتصف به من الطموح إلى المعالي وهذا ما شهد به القاصي و الداني وما نشاهده من مظاهر الصلاح وهذا الإرث الحضاري الذي إمتاز به هذا الوادي ولاكني أخوف ما أخافه أن يتحقق فينا قول الله تبارك وتعالى { وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها القول فدمرناها تدميرا }. وربما يتساءل من يسأل كيف نعذب وفينا مالا يخفى من ما يرضي الله ؟ فنقول هذا ما سألته أم المؤمنين أم سلمة عندما دخل عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم  فزعا وهو يردد ويل للعرب من شر قد اقترب. فسألته أم سلمة في استغراب أنهلك وفينا الصالحون ؟ فأجابها بالجواب الشافي الذي يصلح لكل أمة في الحاضر والماضي نعم إذا كثر الخبث. وسنة الله لا تتغير ولا تحابي أحد، كما قال الله لمشركي قريش { أكفاركم خير من أولئكم أم لكم براءة في الزبر} و كما رد على أهل الكتاب عندما قالو: { نحن أبناء الله وأحباؤه قل فلم يعذبكم بل أنتم بشر ممن خلق } .
أليس في مجتمعنا مترفون و منحرفون طالما اشتكينا من بعض تصرفاتهم وقد تعدو كل الخطوط الحمراء فجنينا من جرها كل  الويل و الثبور حتى اتسع الخرق على الراقع فهذا كل ما حصدناه من إفرازات ما مضى من الفتن بدلا من أن تكون لنا عبرا تضئ لنا الطريق وصدق الله القائل:{ ولقد أرسلنا إلى أمم من قبلك فأخذناهم بالبأساء و الضراء لعلهم يتضرعون فلولا إذ جاءهم بأسنا تضرعوا ولكن قست قلوبهم فزين لهم الشيطان ما كانوا يعملون فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم أبواب كل شئ حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة فإذا هم مبلسون فقطع دابر القوم الذين ظلموا و الحمد لله رب العلمين ّ} .
فيا أبناء مجتمعي إلى رجوع من سبيل ؟ فهل آن الأوان أن ترجعوا لنا ماضينا المشرق التليد  وتلك المآثر التي افتخرنا بها طول العهود مما ترك لنا الجدود و آباؤكم أن تتصفوا بالجحود فتتنكروا لكل ما في مجتمعكم و تسمون بأقبح النعوت آباؤكم ومن ولاه الله أمركم فتخسروا دنياكم و آخرتكم فتصبحوا من أحقر المخلوقات.
ومن تؤوه دار فيجحد فضلها                  يكن حيوانا فوقه كل أعجم
ومن يظلم الأوطان أو ينس حقها             تجئه صنوف الحادثات بأظلم                     
ولمصداقية ما أقول ليكون لكلامي وقع و تأثير كما قيل بالمثال يتضح الحال، أزيد وأذكر بعض تلك الآفات ليسعى كل من تلبس بها جاهدا ليبتعد عنها وهذا لفائدته أولا قبل كل أحد: { إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم إن أسأتم فلها ولا تزر وازرة  وزر أخرى}. وثانيها لفائدة الجيل الصاعد ليعيش في مجتمع آمن يسوده الوئام و السلام. وثالثها نريد أن نسلم هذه الأمانة الثمينة لأيادي أمينة كما سلمت إلينا ولسنا بمن يقول: إذا مت ظمآن فلا نزل القطر . فنحن مرتحلون و نريد أن ننام في قبورنا قريري العين و أضن أن الرسالة قد وصلت وها أنا قلت ما سمعتم وأستغفر الله لي ولكم إنه هو التواب الرحيم.

الخطبة الثانية: الحمد لله الذي خلق الإنسان في أحسن تقويم وكرمه وحرم التعدي عليه وتولى القصاص من كل من يؤذيه القائل: { يأيها الذين آمنوا  اجتنبوا كثيرا من الظن إن بعض الظن إثم  ولا تجسسوا ولا يغتب بعضكم بعضا }  والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين محمد صلى الله عليه وسلم القائل كل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه .
  لقد طرأت على مجتمعنا آفات دخيلة لم تكن في أسلافنا فكانت سبب لما نراه من الآثار الوخيمة التي فرقت الشمل و قوضت البنيان من أساسه و المؤسف أن يكون ذلك من أبنائنا ومن جلدتنا و يتكلمون لغتنا وهذا هو الخطر العظيم كما قال الشاعر: وظلم ذوي القربى أشد مضاضة            على النفس من وقع الحسام المهند  
وهذا هو الخطر الذي يصعب القصدي له كما قيل إذا كانت الريح من الخارج علينا أن نغلق الأبواب و النوافد ولكن ما موقفنا إذا كانت العاصفة من داخل البيت ؟  ومن أبرز  هذه الآفات :
   وسائل التواصل الاجتماعي التي لو أحسنا استغلالها واستعملت فيما يعود بالنفع على المجتمع لجنينا منها خيرا عميما ولجنبتنا خطرا جسيما ولاستفاد منها وادينا أمنا ونعيما و لكن يا للأسف استغلها من لا خلاق له ولا عهد ولا وفاء له ولا أنف في أغراض ذميمة وذلك فيما ينشرون على صفحاته من بهتان وزور و تحريض وتحريش وتثبيط ضد أبرياء مخلصين أوفياء و يتسترون وراء أسماء مستعارة { يستخفون من الناس ولا يستخفون من الله وهو معهم إذ يبيتون ملا يرضى من القول } . ولاكن الله سيهتك أسرارهم و يكشف عن أسمائهم كما فعل الله بالمنافقين حينما فضحهم وبينهم للنبيء صلى الله عليه وسلم  بعد أن كانوا مندسين ومتسترين  عند ذلك سيلفظون لفظ النواة إن لم يتوبوا ويرجعوا إلى الصواب و يحاللوا كل من ظلموا إن استطاعوا لذلك سبيلا وهذا ما نرجوه . ولكن إن استمروا على ضلالهم فو الله لن يفلحوا ولن يحققوا أهدافهم مهما حاولوا ولن يضر السحاب نباح الكلاب. فيا من ضلوا توبوا إلى رشدكم واعلموا بأن الله بالمرصاد واعبرا يا من على شاكلتهم منذ عهود مضت وما كان مصيرهم المحتوم ولم ينالوا ولن تنالوا خيرا ولم يحققوا هدفهم ونالوا جزاءهم في الدنيا قبل الآخرة وتمنوا الموت وهم يرون شبحه و هجرهم الأصحاب و الأحباب فهذا مصير كل من أعلن الحرب ضد الأبرياء فاعتبروا يا أيها الأبناء.
و الخطر الثاني ظهرت نتائجه الوخيمة في تحريض الشباب للتمرد على الأوضاع التي حفظت كيان المجتمع من الضياع و حملهم على عدم الانصياع فنتج في المجتمع طبقة من الشباب لا تلوي على أحد ولا تسمع إلى أي مرشد وفي الطرقات تفسد و تعربد ولكل ناصح غيور توعد و تهدد ولتجارب من سبقوهم و حنكتهم و حكمتهم تسخر و تفند وكأنهم لم يتعلموا في أي مدرسة ولم يتلقوا أي درس في التعامل مع من قدموا لهم أيادي بيضاء فتنكروا لكل موجود وأنكروا كل ما تركه الجدود و هدموا كل الحواجز و السدود فصدق فيهم قول الشاعر :
فيا عَجباً لمن ربيتُ طِفْلاً                  أُلَقِّمُه بأطرافِ البنانِ
أُعَلِّمُه الرمايةَ كُلَّ يومٍ                    فلما اشْتَدَّ ساعدُه رماني
أُعَلِّمُه الفتوةَ كل وقتٍ                     فلما طرَّ شاربُه جفاني
وكم عَلَّمْتُهُ نَظْمَ القَوافِي                  فلما قالَ قافيةً هجاني
فما عساني أقول في من يرى بعين النقص و الازدراء ما تركه الأجداد لا أقول إلا ما قاله الشاعر
ومك ذا فم مر مريض                   يجد مر به الماء الزلالا
فيا أيها السالكون هذا الطريق عودوا إلينا سراعا و تيقنوا أنكم تلجون أنفاق مظلمة لا منفذ لها و أخاف إن تماديتم وأصررتم وأبيتم التصعيد أخاف أن يصعب عليكم الرجوع و ستدرفون الدموع ويكون نهاية ذلك الضياع ولا يسعنا هنا إلا أن نستشهد بما قاله المنفلوطي في شباب زمانه { ذلك ما نضرع إليكم فيه أن تحفظوه لنا كما حفضناه من قبلكم لآبائنا و أجدادنا واذكروا أنه سيأتي عليكم ذلك اليوم الذي أتى علينا وأنكم ستكرهون فيه أن يعاملكم أبناؤكم و أحفادكم بمثل ما تعاملوننا به اليوم}.
فيا أبناءنا أرجعوا لينا معززين مكرمين فستجدون أيادي تحضنكم وقلوبا دافئة ترحمكم وثغورا تقبلكم وربا غفورا يغفر الذنوب جميعا .
وأنتم أبناءنا الأوفياء دوموا على عهدكم واحذروا من أن تنصاعوا لكل ناعق و تفتحوا قلوبكم لكل طارق واسمعوا كلام كل واثق وحاولوا أن ترجعوا إلى الصف كل من حاد عن الطريق فعند ذلك ينهمر علينا من السماء مطرا دافق و يتحقق فينا قول الخالق { وأن لو استقاموا على الطريقة لأسقيناهم ماء غدقا } .
أيها المجتمع الوافي بكل ما فيه من حساسيات و توجهات و التي في نظري تكون كلها باقة زهر متعددة الألوان مختلفة الأنواع تسبي الناظرين و كل واحدة تحاول أن تعطر الجو برائحة زكية أو بمثابة جوقة موسيقية مختلفة الألحان .
 أيها الغيورين نحيطكم بما لا يخفى عليكم بأن هناك آفات يتحتم علينا جميعا أن نتظافر جهودنا معا محاولين بذلك استئصالها وذلك بعون الله تعالى و توفيقه ولن نصل إلى هذا الهدف إلا بركيزة واحدة و هي الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر مصداقا لأمر الله تعالى: { ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير و يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون }.
اللهم اعلنا هداة مهتدين لا ضالين ولا مضلين، اللهم أهد شبابنا ورد علينا كل شارد، اللهم احفظ مجتمعنا من كل عتيد وتول أمر كل شيطان مريد. اللهم كل من أراد بنا سوءا اللهم أشغله في نفسه واجعل كيده في نحره واجعل تدبيره تدميره وأرنا عجائب قدرتك فإنهم لا يعجزونك. اللهم زدنا ولا تنقصنا  وآثرنا ولا تأثر علينا وأكرمنا ولا تهنا وأرض عنا ولا تسخط علينا يا أرحم الرحمين و الحمد لله رب العالمين.

أكتب تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *