إن خير الزاد التقوى

إن الحمد لله نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأ شهد أن محمداً عبدُه و رسولُه. (يَاأَيها الذين آ مَنُوا اتقُوا اللهَ حَق تُقَاته ولا تموتن إلا وأنتم مُسلمُون). (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَتَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً).  (يَا أيها الذين آ منوا اتقوا الله وقولوا قَو لاً سَديداً يُصلح لَكُم أَعمالكم وَ يَغفر لَكُم ذُنُوبَكُم وَ مَن يُطع الله وَ رَسُولَهُ فَقَد فَازَ فَوزاً عَظيماً).
قال تعالى : " سَارِعُواْ إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاء وَالضَّرَّاء وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ " آل عمران 133-134
وقال أيضا: " سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاء وَالأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاء وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ " الحديد 20.
عن أبي هريرة ض أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: من صام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه، ومن قام ليلة القدر إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه. (البخاري)
وبعد؛ أيها الإخوة المؤمنون، الله جل جلاله، هو أرحم الراحمين أوجب علينا الصيام رحمة بنا (يُرِيدُ اللّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ) (وَأَن تَصُومُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ)، فهذا الخير من أجل مكاسب عظيمة أهمها تحصيل التقوى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ)، فالتقوى أيها الأحبة سبب كل فلاح ونجاة (ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوا وَّنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيّاً)، (تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَن كَانَ تَقِيّاً مريم : 63 فما هي محطات التزود في رمضان وكيف يمكن أن نحسن استغلالها حتى يكفي تزودنا لعام كامل إن مد الله في أنفاسنا أو ما ينفعنا حتى نبلغ الدار الآخرة إن وافانا الأجل كيف لا وقد مضى أكثر من نصف رمضان.
أيها الأحبة إن أول محطات التزود في رمضان هي الصوم، فالجوع والعطش يذكرنا أن الله يطعم ولا يطعم، ويذكرنا الجوع بحال كثير من المسلمين الذين لا يجدون ما يطعمونه إلا قليلا، فإطعام الجائع وبذل أحسن ما نطعم للجيران أو المساكين ومن هم تحت مسؤوليتنا من أجراء وغرباء هي من أعظم القربات، فأثنى الله على الأبرار بقوله (وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً، إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاء وَلَا شُكُوراً) ومن صفات الذي يكذب بالدين أي بيوم الجزاء أو الذي يؤتى كتابه بشماله أنه (وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ)، ومما سلك المجرمين في سقر أنهم كانوا لا يطعمون المسكين.
ولنعلم أيها المؤمنون أن القرآن من أعظم محطات التزود في رمضان فهو شهر القرآن، (شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِيَ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ) (إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ الدخان : 3 فمن لم يغتنم من تلاوة القرآن وتدبره في رمضان والصبر على سماعه وتلاوته فمتى سيتسنى له ذلك، فاجعل أخي الصائم وردا من القرآن وختمة في رمضان واختل بنفسك مع كتاب الله تبحث عن معاني الآيات وتسقطها على نفسك وعلى حياتك واجعل أخي الصائم من سويعة التراويح لحظات لسماع وتدبر آيات الذكر الحكيم وهل يرضى أي واحد منا أن يحشر يوم القيامة أعمى إن كان ممن أعرض عن كتاب الله (وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى. قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنتُ بَصِيراً) فلنحافظ على هذا الورد من القرآن بعد رمضان ونحافظ على عهدنا مع كتاب الله عسى الله أن يرحمنا (وهذا ذكر مبارك انزلناه أفأنتم له منكرون).
عباد الله، من محطات التزود في رمضان كثرة التردد على بيوت الرحمن والمكوث فيها وشهود الجماعات والاعتكاف فيها لمن تيسر له، فلا خير فيمن يطيل الجلوس على أرصفة الشوارع وأمام الشاشات ولا يصبر على لحظات يجلسها في بيت الله ليسمع موعظة أو يغتنم ركعات مع جماعة المسلمين. (إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللّهِ مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلاَةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلاَّ اللّهَ فَعَسَى أُوْلَـئِكَ أَن يَكُونُواْ مِنَ الْمُهْتَدِينَ التوبة : 18
فاللهم اجعلنا من المهتدين الذين يغتنمون نفحات شهر القرآن وأبعدنا عن مواطن السوء ومجالس اللغو واجعلنا من أهل القرآن فننال عفوك ورضوانك وتعتقنا من النار ونفوز بالجنان.(إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً).

الخطبة الثانية: الحمد لله منزل القرآن في رمضان، الحمد لله باسط الخير والبركات في رمضان، والحمد لله معتق الرقاب من النيران في رمضان، والصلاة والسلام على رسول الرحمة، كان أجود بالخير من الريح المرسلة اللهم صل عليه وعلى أصحابه السابقين إلى الخيرات مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ إلى يوم الدين.
قال الله تعالى: " إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ، وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ، لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ، تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِم مِّن كُلِّ أَمْرٍ، سَلامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ "سور القدر
عباد الله كل واحد منا يعمل في كل شهور السنة ثم يفرح بالعطلة السنوية شهرا أو أكثر مدفوعة الأجر يسافر فيها مع أسرته ويروح فيها عن نفسه، فكيف إذا وجد أحدنا صاحب عمل يمنحه شهرا من العمل ثم يأخذ عطلة طيلة ما تبقى من أشهر السنة هل سيفرط في هذا العمل، طبعا لا يفرط في هذا العرض المغري، ولكن يوجد من هو أسخى وأكرم من صاحب هذا العمل، إنه رب العالمين جعل عبادة ليلة فضلها أعظم من عبادة ألف شهر أعظم من عمر الإنسان. فعن عائشة (ض) قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا دخل العشر الأواخر من رمضان أحيا الليل كله وأيقظ أهله وجدّ وشدّ المئزر. متفق عليه.
وعنها قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يجتهد في رمضان ما لا يجتهد في غيره، وفي العشر الأواخر منه ما لا يجتهد في غيره. رواه مسلم.
عباد الله لمثل هذا فليعمل العاملون، وليتنافس المتنافسون، فالأعمار قصيرة والفتن مظلمة والشهوات أصبحت في عصرنا محيطة بنا من كل جانب فإن لم نغتنم هذه السوق الرابحة سوق التقوى سوق رمضان سوق شهر القرآن فأين ومتى سنجد هذه الغنائم؟ أم سننتظر حتى يقول كل واحد منا (رَبِّ ارْجِعُونِ، لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِن وَرَائِهِم بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ) أو يقول (رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُن مِّنَ الصَّالِحِينَ)
اللهم إنا نسألك بأسمائك الحسن وصفاتك العلا أن تصلي على النذير البشير، والسراج المنير، وعلى آله وأصحابه ، والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين. اللهم تقبل منا واعتق رقابنا ورقاب والدينا من النار واجعلنا من ورثة جنة النعيم وارزقنا الإجتهاد في العشر الأواخر لنيل ثواب ليلة القدر. اللهم اجعلنا من أهل القرآن الذين هم أهلك وخاصتك الذين يتلون كتابك حق تلاوته ويتدبرون معانيه ويقيمون أحكامه. اللهم ارزقنا حب المساكين وإطعامهم واجعل رمضان سببا للرحمة في قلوبنا ومحبة إخواننا المسلمين والصالحين من عبادك ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنو.
اللهم أنزل الرحمة في بلدتنا تطفئ بها نار الفتنة وفي بلاد المسلمين رحمة تجمع بها صفوف المسلمين وترد بها كيد الظالمين. اللهم فك أسر المأسورين المظلومين واجعل الدائرة على الظالمين. اللهم صل على سدينا محمد صلى الله عليه وسلم وأقم الصلاة.

أكتب تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *