الحمد لله الواحد الأحد الخالق الصمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفو أن أحد.
الحمد لله الذي ميز الإنسان بالعقل على سائر الحيوان وجعله مناط الاستخلاف والتكليف وأحاطه بعنايته من الفساد والتلف فأرشدنا في ديننا الى ما ينمي مداركنا ويحفظ عقولنا ويسمو بها وحرم علينا كل ما ينحط بها ويفسدها:إن الله بالناس لرؤوف رحيم.
فاتقوا الله عباد الله واتبعوا نهجه تحافظوا على سلامة فطركم وعقولكم وتفوزوا بالحسنيين فإنه من سلك سبيل المفسدين فسدت فطرته وقسا قلبه وصار عقله أسير هواه وأصبح هو عبدا لهواه: أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (23) وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ (24)
ايها الإخوة المؤمنون إن مما حرم الله علينا صونا لعقولنا المتحكمة في تصرفاتنا والتي بها نميز بين الخطإ والصواب والحق والباطل. مما حرمه علينا من أجل ذلك كل المسكرات والمخدرات وأنتم تعلمون ذلك وكل الذين يتعاطونها يعلمون. ولا أزيد على أن أقول لهم: إنكم تكفرون نعمة الله عليكم وتحادونه بها وتهلكون أنفسكم فاتقوا الله ثم بعد ذلك أركز في كلامي على المروجين لها وعلى موقف المجتمع منهم.
إذا كانت الخمر أيها الإخوة أم الخبائث فالمخدرات هي أم الجرائم وإن كانت الخمر توقع العداوة والبغضاء فالمخدرات توقع الحروب والدمار لأن المدمن عليها لا يبقى له وازع عن ارتكاب أي شيء في سبيل إرضاء نزواته وإشباع غرائزه ولا رادع عن تنفيذ كل أوامر من يمده بها لذا فقد أصبحت المخدرات سلاحا بيد الأعداء بها يخربون البيوت من الداخل.
إن المخدرات هي المدمرات و اكبرا لخونة المجرمين هم صانعوها والمتاجرون فيها، يوزعون المعانات والخبال والأمراض وأسباب الموت والدمار ليشبعوا نهمهم من حطام الدنيا. لو كان للإنسان حقوق فعلا لكان عقابهم أشد عقاب في كل الدساتير ويا للعجب لم تستر وجوههم ولا يفضحون إذا ضبطوا متلبسين.
أيها الإخوة الأحبة إن انتشار المخدرات يزداد استفحالا ولا يحمي مجتمعاتنا منها شيء أكثر من اليقظة والمضايقة كفانا غفلة ولا مبالاة.
كن أخي يقظا منتبها لا منشغلا ولا متجاهلا إذا رأيت حركة أو معاملة أو شخصا مشبوها فتحرك ولا تمر مر الكرام فإنك مسؤول بين يدي الله وإن لديك هاتفا وأرقاما خضراء وأهم من ذلك أن تنبه أولادك المتمدرسين مهما صغرت أعمارهم فإنهم مستهدفون مستخدمون امنعهم منعا باتا أن يتناولوا شيئا يضعونه في أفواههم من أي كان ولو من صديق سواء كان حلوى او قرص دواء أو غير ذلك بل علمهم كيف ينتبهون لمن يقوم بتوزيع هذه الأشياء بمقابل أو بدونه ليخبروك وتقوم بواجبك. إنهم لخساسة طبعهم يستغلون البراءة في أولادنا ولا يتورعون أن يوقعوهم في هذه الرذائل والمصائب منذ نعومة أظفارهم ويكبرون وهم أسراء عندهم أعداء لأسرهم يسطون ويسرقون إن أعوزهم المال ليحصلوا على ما أدمنوا عليه ثم لا يمنعهم شيء أن يدمروا مجتمعهم ووطنهم تلبية لهوسهم ورغباتهم وأوامر أسيادهم.
أما آن لنا أن نتدارك سفينتنا وأن نحمي أجيالنا متعاونين جميعا شعبا وسلطة آمرين بالمعروف مغيرين للمنكر كل حسب طاقته وفي دائرة اختصاصه فإن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم وإن الشر لن يتوقف ما لم يقاوم والله قد جعل لكل داء دواء .عباد الله ان الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما.
الخطبة الثانية: الحمد لله على واسع رحمته وعميم فضله وسابغ نعمه نسأله دوامها وشكره عليها. أيها الإخوة الأكارم إن وجب علينا محاربة المخدرات لآثارها السيئة على متعاطيها وعلى العباد والبلاد كما تقدم فلا نغفل عن نوع آخر من المخدرات. مخدرات معنوية تطغى على العقول فتمنعها من التفكر والتبصر فيرتكب أصحابها من الجرائم ما لا يقدم عليه العقلاء فضلا عن المتدينين.يلجأ إليها المصطادون في المياه العكرة للوصول الى مطامعهم التي لا يمكنهم تحقيقها إلا في خضم الفوضى والفتن والرعب وهذه أخطر من سابقتها فليست مادة تري وتلمس لكنها أفكار تتسرب وأساليب يحسن أصحابها استخدامها للتأثير على العقول وبرمجتها لتسخير أصحابها وإخضاعهم طوعا وباندفاع لتنفيذ ما يريدون ولو بقتل المسالمين الأبرياء والتفجيرات والإنتحارات وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا .
اخي تفطن فإن من أساليبهم زرع الكراهية وإثارة الأحقاد ونقلها من الأجداد الى الأحفاد وإثارة العصبيات والنعرات وشحذ النفوس وشحن الآجواء بالأراجيف والتهم والتحريض على الانتقام والاستجابة لداعي العصبية الجاهلية.
ومن أساليبهم توظيف الدين باعتماد أقوال المتطرفين وفتاواهم التكفيرية المبيحة للدماء المحرمة بأسلوب يقنع المنفذ لمخططاتهم أنه في طريق الجنة وسيلتحق بالصديقين والشهداء.
احذر أيها العاقل أن تقع في شباكهم تحصن بتقوى الله وتفقه في دينك لا يغرنك أحد على استباحة الاموال والأرواح والأعراض مهما كان الثمن والغرض فإن مصيرك الأبدي مرهون بأعمالك .
أحبتي في الله لا نكن ألعوبة بين أيدي أعدائنا وكل من يريدنا بشر فهو عدونا فلنحذره وإن أبدى لنا النصح فإبليس قبله قد أظهر النصح لأبينا فأخرجه من الجنة .
ختاما لنقم جميعا في جبهة واحدة نتصدى لهاتين المهلكتين المخدرات المادية والمعنوية ولنحم منها أنفسنا وأجيالنا لا تأخذنا بأصحابها رحمة فإنهم لا يرحموننا.
اللهم احفظنا واحفظ أوطاننا بلدنا هذا وجزائرنا وكل بلاد المسلمين من كيد الآعداء وبغي الأصدقاء وغوائل أعمال السفهاء وقنا شر أنفسنا وسيئات أعمالنا ووفقنا الى طاعتك وشكرك وحسن عبادتك واجعلنا القدوة الحسنة للأجيال وأعنا على حسن رعايتهم وتربيتهم ربنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين واجعلنا للمتقين إماما ربنا آتنا من لدنك رحمة وهيئ لنا من أمرنا رشدا ربنا آتنا في الدنيا حسنة....