إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لاشريك له، وأشهد أن محمده عبده و رسوله، أما بعد فإن أصدق الحديث كتاب الله وخير الهدي هدي محمد ص وشر الأمور محدثاتها وكل محدثة بدعة.
أيها المؤمنون إن لله سننا وقوانين في الكون والخلق لا تتبدل ولا تتغير وقد أشار الله تعالى إليها في كتابه الكريم، أن له ثلاثة أحكام تجاه خلقه.
1- أن الله يسلط ألوانا من العذاب والعقاب قد يؤدي إلى الإستئصال و الهلاك والفناء للقرى والأمم التي كفرت وكذبت الرسل وشاققتهم .
2- أن الله يسلط عقوبة على مسلمين ومؤمنين بسبب أخطاء إرتكبوها وواجبات تقاعسو عن القيام بها، وقد يكون فيهم النبي صلى الله عليه وسلم.
3- أن الله يبتلي عباده الصالحين من الأنبياء والمرسلين وعباده المؤمنين يبتليهم بأمور يقضيها الله في الدنيا بمقتضى حكمته وعلم، يكوي فيها بعض الضرر لبعض العباد.
أيها الناس إن الله يهلك ويدمر القرى التي بلغت حدا من الطغيان وتكذيب الرسل و الفسق والظلم وكفر نعم الله والإسراف في الترف
- وإن من قرية إلا نحن مهلكوها قبل يوم القيامة أو معذبوها عذابا شديدا كان ذلك في الكتاب مسطور
- إن من أعظم مايهلك الله به القرى هو كفر نعم الله من أمن أورغد عيش فاسمعوا قول الله تعالى:
1- وضرب الله مثلا قرية كانت آمنة مطمئنة يأتيها رزقها رغدا من كل مكان فكفرت بأنعم الله فأذاقها الله لباس الجوع والخوف بما كانوا يصنعون) الآية
2- أولم يروا أنا جعلنا حرما آمنا ويتخطف الناس من حولهم أفبالباطل يؤمنون وبنعمة الله يكفرون . الآية
3- وما أرسلنا في قرية من نبي إلا أخذنا أهلها بالبأساء والضراء لعلهم يضرعون . الآية (94)
4- ثم بدلنا مكان السيئة الحسنة حتى عفوا وقالوا قد مس آباءنا الضراء والسراء فأخذناهم بغتة وهم لا يشعرون. الآية 95
5- ولقد أرسلنا إلى أمم من قبلك فأخذناهم بالبأساء والضراء لعلهم يتضرعون فلولا إذ جاءهم بأسنا تضرعوا ولكن قست قلوبهم وزين لهم الشيطان ما كانوا يعملون الآية
6- وكم أهلكنا من قرية بطرت معيشتها فتلك مساكنهم لم تسكن من بعدهم إلا قليلا وكنا نحن الوارثين( القصص 58 )
ومما يعاقب الله تعالى به هو الظلم بأنواعه و أعظم الظلم الإشراك بالله – وإن الشرك لظلم عظيم –
وظلم الناس بعضهم لبعض كظلم الحكام لرعيتهم وظلم الرعية بالتمرد والعصيان وظلم الأزواج والخلطاء بعضهم لبعضهم ......وأكل مال اليتيم والأبرياء والأرامل والضعفاء .....الخ
ونزول قول الله تعالى: وكأين من قرية عتت عن أمر ربها ورسله فحاسبناها حسابا شديدا وعذبناها عذابا نكرا فذاقت وبال أمرها وكان عقبة أمرها خسرا (الطلاق)
جاء هذا في سياق الطلاق والعدة وبقاء المطلقة في بيتها أثناء العدة وإمساكها أو مفارقتها بالمعروف والإشهاد والشهادة والإيمان بأرزاق الله والتوكل عليه والسكن والنفقة على الأهل والمولود ورعايته ....الخ ومخالفة أوامر الله وتعدي حدوده في هذه الأمور يعرض الأمم للحساب الشديد والعذاب النكير
وإن مما يوجب غضب الله وعقوبته هو الإسراف والتبذير والمبالغة في الترف والنعيم في الملبس والمسكن والمركب وكأن الدنيا هي دار قرار خاصة مع ترك الواجبات ومنع الحقوق والقعود عن الجهاد بالنفس والنفيس .
- وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا (الإسراء )
- قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّىٰ يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ ۗ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (التوبة ) (هذا الخطاب للصحابة المؤمنين ) .
الخطبة الثانية: الحمد لله الرحيم بعباده المنزه عن الظلم يريد بهم اليسر ولا يريد لهم العسر وحبب إلى عباده الإيمان وكره إليهم الكفر والفسوق والعصيان والصلاة والسلام على نبي الرحمة والسراج المنير وعلى آله وأصحابه.
أيها المؤمنون: إن من سنن الله أيضا أنه قد يسلط عقوبة على المؤمنين إذا أخطؤا أو تهاونوا ليميز الخبيث من الطيب أو ليزكيهم ويربيهم ولو كان فيهم النبئ صلى الله عليه وسلم. فمثلا عوتب النبئ صلى الله عليه وسلم في موقفه مع عبد الله بن أم مكتوم الأعمى وكفار قريش. وعوتب أيضا في قوله تعالى: وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه الآية وهدد الصحابة والنبئ صلى الله عليه وسلم بالعذاب في قضية الأسرى وأخذهم الفدية منهم في قوله تعالى: ولولا كتاب من الله سبق لمسكم فيما أخدتم عذاب عظيم. الآية
وهددوا بالعذاب أيضا في قضية الإفك لتقبلهم وسماعهم ونقلهم الشائعات. ولولا فضل الله عليكم ورحمته في الدنيا والآخرة لمسكم فيما أفضتم فيه عذاب عظيم. الآية
وفي غزوة أحد هزم المؤمنون الصادقون وفيهم النبئ صلى الله عليه وسلم وأصيب ببلاء عظيم وقتل من قتل من المهاجرين والأنصار .
قال الله تعالى: وعصيتم. وكذلك حاروا في هذه الهزيمة وهول ما أصابهم.
قال تعالى: قلتم أنى ( من أين وكيف هذه المصيبة ) قل هومن عند أنفسكم.
في غزوة الأحزاب قال الله تعالى للمؤمنين – وقد نصرهم – قال: وتظنون بالله الظنون ( أي وقع في أنفسكم الشك أن لن يرد المعتدين).
في حنين هزم المؤمنين شر هزيمة وفيهم النبئ صلى الله عليه وسلم وخيار الصحابة والمبشرين بالجنة .
ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم فلم تغن عنكم شيئا وضاقت الأرض بما رحبت ثم وليتم مدبرين (التوبة25 )
نعم الله تعالى لا يحابي أحدا.
وإذا أراد قوما مؤمنين فإنه لا يتركهم يخطؤون كما يفعل المربي المحب لمربيه – ولله المثل الأعلى –
ويونس عليه السلام: وإن يونس لمن المرسلين
قال: فالتقمه الحوت وهو مليم
ومن سنن أيضا أن الله يبلي عباده المؤمنين بدأ بالأنبياء والصالحين والمؤمنين
كإبراهيم عليه السلام: إن هذا لهو البلاء المبين. الآية
وأيوب ...... إنا وجدناه صابرا نعم العبد إنه أواب. الآية
ونبلوكم بالشر والخير فتنة وإلينا ترجعون. الآية
- ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات وبشر الصابرين الآية ( 155 )
- أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون الآية ( 157 )
المؤمن كلما نجح في الإمتحان إرتفعت منزلته عند الله وهكذا حتى يبلغ درجة الصديقين والشهداء
الصحة فتنة ,المرض فتنة ,الخوف فتنة,الأمن فتنة ,الأولاد فتنة ,العقم فتنة ,المال فتنة ,الفقر فتنة ,الحرمان فتنة السلطة والنفوذ فتنة , الصلاة إختبار, الصوم إختبار, الأضحية إختبار, الإنتصار والفوز إختبار.
فينظر كيف تعملون ونبلو أخباركم , حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين .
هذه سنن الله في خلقه والتي لا تتبدل ولا تتغير ولن تجد لسنة الله تبديلا ولن تجد لسنة الله تحويلا.
أيها الناس ليرجع كل واحد منا إلى نفسه ولتنظر كل أمة أو جماعة من أي الأصناف الذين ذكرنا من قبل من الذين غضب وسخط الله عليهم أم من الذين يرسل الله من أنواع الأذى ليرجعوا إليه ويؤوبوا إليه ويؤدبهم ويزكيهم من أوليائه الذين يبتليهم ليصبروا ويجازوا على صبرهم. وليعمل الكل على مقتضى هذا التصنيف, والعاقل من اتعظ بالأيام والآيات المتلوة والآيات الغير المتلوة .
أيها الناس نحن في دار امتحان بعد امتحان لا نكاد نخرج من امتحان حتى يدركنا امتحان آخر حتى نلقى الله
أيها الناس إن الله رحيم بعباده يحب التوابين ويحب المتطهرين , الله يدافع عن الذين آمنو , الله لا يحب الظالمين , لا يحب المستكبرين , ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز .
إن الدنيا دار بلاء وامتحان وجد وعمل وكدح وعمارة ....
فمن زحزح عن النار وأدخل الجنة فقد فاز وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور .