إنْ الْحَمْد لِلَّهِ نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ وَنَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ له وأشهد أن محمدا عبده و رسوله .
فاللهم صل و سلم عليه و على آله و صحبه و التابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين .
أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله و خير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم و شر الأمور محدثاتها و كل محدثة بدعة و كل بدعة ضلالة.
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (18)الحشر.
الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، وبالعمل بطاعته تطيب الحياة وتتنزل البركات، سبحانه فضل شهر رمضان على سائر الشهور والأيام، واختصه بجميل المزايا، وضاعف فيه الأجور للصوام، وتوّجه بتاج القبول، وأنزل فيه القرآن على خير الأنام.
وقال فيه:يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (183) أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةُ طَعَامِ مساكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (184) شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (185) وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ (186)
أيها الإخوة المؤمنون بالأمس القريب كنا نستعد لاستقبال هذا الشهر العظيم و في هذه الأيام نستعد لتوديعه وفراقه, ويا لفراقه من لوعة و حزن. كأنما بدأ المعرض السنوي للرحمات والمغفرة و الثواب الجزيل و الأجر العظيم بلا حساب إلى النجاة و العتق من النار حسب الجهد إلى هدايا تسجيل أكثر من ثمانين عاما كلها عبادة خالصة لله لمن أدرك ليلة القدر,جعلني الله و إياكم من أصحابها, كأنما بدأ هذا المعرض يغلق أبوابه و لم يترك إلا أبواب الخروج مفتوحة و يقول للناس فإلى فرصة أخرى إلى السنة المقبلة إن شاء الله لمن كتبت له الحياة, فينبغي أن نعتبر أيها الإخوة أن لكل بداية نهاية, فقد صدق الله تعالى و من أصدق منه حديثا حين قال: (أياما معدودات) وهكذا تنقضي الأعمار, فكم من أناس صاموا رمضان العام الماضي وهم الآن في عداد الموتى و لم يدركوا هذا الشهر و لا يدري أحد منا هل سيدرك رمضان العام القابل أم لا؟ فينبغي علينا أن نغتنم مما تبقى من هذا الشهر من المكارم والفضائل والمزايا والنفحات ما لا يقع في الحسبان، ولا يحده بيان، «جعل الله سبحانه وتعالى صيامه فريضة، وقيامه تطوعا، وهو شهر الصبر، والصبر ثوابه الجنة، شهر أوله رحمة، وأوسطه مغفرة، وآخره عتق من النار»، تحط فيه الخطايا، ويستجاب فيه الدعاء، وتفتح فيه أبواب السماء، وتغلق فيه أبواب الجحيم، وتغل فيه مردة الشياطين، لله فيه ليلة خير من ألف شهر، من حرم خيرها فقد حرم (بسم الله الرحمن الرحيم إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ (1) وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ (2) لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ (3) تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ (4) سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ (5) )،ونحن في البقية الباقية منه إخوة الإسلام ينبغي أن نغتنم فيه محاسبة النفس والتوبة و الإنابة إلى الله الذي يحب التوابين ويفرح بتوبتهم:
قال تعالى: وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (281)
و قال: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (8)
و قال مبينا شروط التوبة :وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ (135) أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ (136).
وقال مبشرا التائبين: إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (70)الفرقان.
نفعني الله وإياكم بهدي كتابه، أقول هذا، وأستغفر الله العظيم لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه؛ إنه هو الغفور الرحيم.
الخطبة الثانية:الحمد لله ربّ العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وليّ الصالحين، وأشهد أن سيدنا ونبينا ورسولنا محمدا عبده ورسوله، خاتم النبيين والمرسلين، وسيّد الأولين والآخرين، وقائد الغرّ المحجلين، وعلى آله وصحبه أجمعين.
أيها المسلمون: يقول رسول الله ص من صام رمضان إيمانا واحتسابا أي لا يريد الأجر و الثواب إلا من عند اللهغفر له ما تقدم من ذنبه، وجاء أيضا: من لم يدع قول الزور و العمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه و شرابه.
وعَنِ ابْنِ عُمَرَ , قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:رُبَّ صَائِمٍ حَظُّهُ مِنْ صِيَامِهِ الْجُوعُ وَالْعَطَشُ , وَرُبَّ قَائِمٍ حَظُّهُ مِنْ قِيَامِهِ السَّهَرُ.
أيها الإخوة :قال بعض الفقهاء: من ترك معصية في شهر رمضان على نية الرجوع إليها بعد انقضائه فصومه مردود عليه و ليس له من الصيام إلا الجوع و العطش و العياذ بالله,(لأن توبته لم تكن صادقة نصوحا).
إن المسلم العاقل الكيس الفطن الذي يحب الخير لنفسه لجدير به أن يستغل هذا الشهر ويغتنم ما تبقى منه في هذه الأيام المعدودات لأنه مدرسة لتجديد الإيمان، وتهذيب الأخلاق، وتقوية الروح, و تزكية النفس و محاسبتها،واغتنام أعظم الأجر و أعلى الدرجات, واستئناف حياة أفضل وأكمل. لأن شهر رمضان فرصة لو افلتت من العبد كانت عليه حسرة و يا لها من حسرة، فشهر رمضان هو شهر المغفرة، وجميع أسباب المغفرة متوفرة فيه، ومن حرم المغفرة في رمضان عظمت مصيبته، وطالت حسرته، ومن قضى هذا الشهر في الإسراف في إعداد الموائد الزاخرة بألوان من الطعام والشراب، والسهر في اللهو واللعب ومشاهدة ما لا تحمد عقباه إلى طلوع الفجر، أوالنوم العميق إلى غروب الشمس؛و يحسب أن الصوم عن الأكل و الشرب فحسب فشأنه شأن الغافلين, مثل الذين قال تعالى فيهم (لا يقومون إلى الصلاة إلا و هم كسالى يراؤون الناس و لا يذكرون الله إلا قليلا ) .
كان رسول الله (ص) يبشر أصحابه بشهر رمضان، ويحضهم على الإكثار فيه من عمل الخير، ويرغبهم في ذلك، ويخبرهم أن الله سبحانه وتعالى ينظر فيه إلى تنافسهم، ويباهي بهم ملائكته، ليروا الله من أنفسهم خيرا؛. يقول (ص):
(اغتنم خمسا قبل خمس : حياتك قبل موتك ، وفراغك قبل شغلك ، وغناك قبل فقرك ، وشبابك قبل هرمك ، وصحتك قبل سقمك).
وعَنْ شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ الْكَيِّسُ مَنْ دَانَ نَفْسَهُ وَعَمِلَ لِمَا بَعْدَ الْمَوْتِ وَالْعَاجِزُ مَنْ أَتْبَعَ نَفْسَهُ هَوَاهَا وَتَمَنَّى عَلَى اللَّهِ.
إخوة الإسلام: إن أعظم ما نوصي به في ما تبقى من هذا الشهر العظيم: بالتوبة النصوح إلى الله تعالى بتصحيح الأخطاء و رد المظالم خاصة فيما يتعلق بحقوق الناس عامة و عقوق الوالدين و قطيعة الرحم و غيرها من المحرمات.فقد قال تعالى:
) وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (النور/31
و اعلموا علم اليقين أيها الإخوة أن رمضان جعل لما بعده لأن امتثال أوامر الله و الاقلاع عن المعاصي خوفا من صيام شهرين متتابعين ليس من التقوى في شيء و أما اكتساب التقوى الضامنة لاستمرار العبادة و لو بعد رمضان لهي الهدف من هذا الصيام لقوله عز و جل (لعلكم تتقون). فثمرة رمضان تتجلى في الاستمرار في طاعة الله و اجتناب نواهيه و الوقوف عند حدوده و عمارة المساجد و الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر و غيرها من العبادات و اعلم أخي يوم العيد أنه من كان يعبد رمضان فإنه قد فات و من كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت.
فاللهم أعنا على ذكرك و شكرك و حسن عبادتك. اللهم آت أنفسنا تقواها و زكها أنت خير من زكاها أنت وليها و مولاها يا أرحم الراحمين.
اللهم اجعلنا ممن صام هذا الشهر إيمانا و احتسابا و تقبله منا و اجعلنا من عتقائك من النار.
اللهم نسألك موجبات رحمتك و عزائم مغفرتك و السلامة من كل إثم و الغنيمة من كل بر و الفوز بالجنة و النجاة من النار.
اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عنا.
اللهم فرج عن أمة الإسلام و أعذها من أعدائك و أعدائها و من الفتن, و أبرم لها أمرا رشدا.
اللهم أعد علينا رمضان أعواما عديدة و أزمنة مديدة بفضلك و رحمتك يا أرحم الراحمين.
آمين و الحمد لله رب العالمين.