مقاصد الزواج

إن الحمد لله نحمده  و نستعينه  و نستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا و من سيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لا  إله  إلا الله وحده لا شريك له  و أ شهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وسلم .قال الله تعالى :" ياأيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منها رجالا كثيرا و نساء واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيبا ".النساءو قال أيضا :" يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله و قولوا قولا سديدا  يصلح لكم أعمالكم و يغفر لكم ذنوبكم ومن يطع الله  و رسوله فقد فاز فوزا عظيما  "الأحزاب .71أما بعد فإن أصدق الحديث كتاب الله وخير الهدي هدي محمد و شر الأمور محدثاتها  وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة .إخوة الإيمان يقول الحق تبارك وتعالى في محكم تنزيله :" و أنكحوا الأيامى منكم  والصالحين من عبادكم و إمائكم  إن يكونوا فقراء يغنهم الله من فضله و الله واسع عليم و ليستعفف الذين لا يجدون نكاحا حتى  يغنيهم  الله من فضله ..." النور32-.33وقال أيضا  :"ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها و جعل بينكم مودة و رحمة إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون " الروم 21.وقال أيضا :" سبحان الذي خلق  الأزواج  كلها مما تنبت الأرض و من أنفسهم و  مما لا يعلمون ...".يسعَنْ اِبْن عُمَر بِلَفْظِ " تَنَاكَحُوا تَكَاثَرُوا فَإِنِّي أُبَاهِي بِكُمْ الْأُمَم " وَلِلْبَيْهَقِيّ مِنْ حَدِيث أَبِي أُمَامَةَ " تَزَوَّجُوا ، فَإِنِّي مُكَاثِر  بِكُمْ الْأُمَم ، وَلَا تَكُونُوا كَرَهْبَانِيَّةِ النَّصَارَى " وَوَرَدَ " فَإِنِّي مُكَاثِر بِكُمْ "            فتح الباري لابن حجر - (ج 14 / ص 293). عن عَبْدُ اللَّهِ كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَبَابًا لَا نَجِدُ شَيْئًا فَقَالَ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :" يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ مَنْ اسْتَطَاعَ الْبَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ فَإِنَّهُ أَغَضُّ لِلْبَصَرِ وَأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاءٌ" صحيح البخاري 15/498.      1أحبتي في الله إن الله تعالى خلق الوجود وجعله يسير تحت قوانين ثابتة مضطردة لا تتغير  ، تضمن له انسجامه وتناسقه  وأداءه لأدواره أحسن أداء و كل هذا ليدل على  عظمة الصانع جل وعلى  وهو الذي خلق كل شيء فقدره تقديرا .فمن القوانين والسنن التي جعل الله في الكون : أن خلق من كل شيء زوجين  اثنين  قال تعالى :" ومن كل شيء خلقنا زوجين اثنين لعلكم تذكرون ".الذاريات 49.فالله خلق الإنسان و جعل منه الذكر والأنثى ،وجعل بينهما سنة التزاوج والتوالد ، فيا ترى هل الله جعل هذا التزاوج دون هدف ؟ وهل الله جعل هذا الزواج من أجل  إشباع غريزة الجنس فيكون الإنسان أقرب إلى الحيوان ؟ أم لهذا التزاوج أهداف وغايات يقصدها الشارع الحكيم من وراء الزواج ؟ فإن كانت فما هي يا ترى؟.أحبتي  في الله  إن الإطار العام الذي تنطوي تحته  الأحكام الكلية أن الله تعالى خلق الإنسان من أجل غاية نبيلة وهي العبادة والتقرب إليه بكل أنواع العبادات ، ولم يخلقه عبثا ،فمن ذلك جعل لهذه العلاقة بين الذكر و الأنثى مقاصد و أهداف وغايات يحققها الزواج .أحبتي في الله دونكم في هذه العجالة بعض مقاصد الزواج التي من شأنها أن تسطر رسالة المسلم في الحياة .1. التحصين : إن من أكبر أهداف الزواج التحصين ففي حديث النبي من استطاع منكم الباءة فليتزوج فإنه أغض للبصر و أحصن  للفرج . فالزواج يحفظ المجتمع من العلاقات الجنسية المحرمة من الزنا واللواط وغيرها من مظاهر الشذوذ  الجنسي ، فالزواج  يُوجِد لهذه الغريزة القناة الصحيحة التي تصرف فيها ،والزواج يحفظ الأنساب من الاختلاط  فحفظ النسب والنسل من المقاصد الكلية في الشريعة الإسلامية  فالله شرع لذلك حدودا وشرائع من أجل سلامة الأعراض والأنساب من الاختلاط؛  كما هو واقع في المجتمعات الغربية التي تعرف فوضا في العلاقات الجنسية فلا  شرع  يحكمها ولا عقل إنما هي الشهوة والغريزة ،كما أن الزواج  يحفظ العلاقات الأسرية من الزوال وذلك بمعرفة الأنساب عند التحكم في العلاقات الجنسية فالمرء يعلم أصله و فصله لأن العلاقات  مضبوطة ليس فيها تعدي واختلاط .أحبتي في الله إن هذا الكلام يقتضي منا كمجتمع وأمة حتى نحقق هذا المقصد أن نحقق أمرين :-1 -أن يكون الزواج  يقضي حقيقة على الزنا 2و ليس شعار وغطاء يُستتًَر به عن أعين الناس وألسنتهم ثم بعد ذلك يفعل المرء ما يحلو له يمنة  و يسرة  ، وكأنه بريء من التهمة .-2 أن نيسر قدر المستطاع في المهور وتكاليف الزواج حتى يتسنَّى لكل شباب الأمة الزواج والتحصين .2. الإنجاب : وهو مقصد كبير في مغزاه  إذ فيه تحقيق استمرار النسل والنوع  البشري  وحفظه من الانقراض  و الزوال بامتثال إرادة الله في خلقه وكونه  ،وفيه معنى إنجاب الذرية الصالحة التي تعبد الله وتعمر الأرض وتكون خليفة لله في كونه ، فعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَأْمُرُ بِالْبَاءَةِ وَيَنْهَى عَنْ التَّبَتُّلِ نَهْيًا شَدِيدًا وَيَقُولُ تَزَوَّجُوا الْوَدُودَ الْوَلُودَ إِنِّي مُكَاثِرٌ بكم الْأَنْبِيَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ.مسند أحمد - (ج 25 / ص 198).                                                                                      أحبتي في  الله إن الحديث عن الإنجاب والذرية يقتضي منا تفهم أمر مهم وهو أن النبي صلى الله عليه وسلم لا يريد منا إنجاب الأولاد فحسب (الكثرة الغثائية) بقدر ما يريد منا إنجاب الذرية الصالحة التي تعبد الله وتزيد في أمة الإسلام نفعا وعمارة و لا تكون معولاً هدَّامًا يرجع بالأمة إلى الوراء ويكون حجر عثرة  وهذا مصداقا لحديث النبي  صلى الله عليه وسلم عَنْ ثَوْبَانَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ  :" يُوشِكُ الْأُمَمُ أَنْ تَدَاعَى عَلَيْكُمْ كَمَا تَدَاعَى الْأَكَلَةُ إِلَى قَصْعَتِهَا فَقَالَ قَائِلٌ وَمِنْ قِلَّةٍ نَحْنُ يَوْمَئِذٍ قَالَ بَلْ أَنْتُمْ يَوْمَئِذٍ كَثِيرٌ وَلَكِنَّكُمْ غُثَاءٌ كَغُثَاءِ السَّيْلِ وَلَيَنْزَعَنَّ اللَّهُ مِنْ صُدُورِ عَدُوِّكُمْ الْمَهَابَةَ مِنْكُمْ وَلَيَقْذِفَنَّ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ الْوَهْنَ فَقَالَ قَائِلٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا الْوَهْنُ قَالَ حُبُّ الدُّنْيَا وَكَرَاهِيَةُ الْمَوْتِ"سنن أبي داود - (ج 11 / ص 371).                                                                                               أحبتي في الله ما من ورقة رابحة في أيدينا  اليوم كمسلمين  من أولادنا إن أردنا أن تقوم لنا قائمة ،فبصلاحهم صلاح مستقبل الأمة وبفسادهم فساد وضياع مستقبل الأمة فقد قال حكيم :                                     وإذا المعلم ساء لحظ بصيرة .                 .جاءت على يده البصائر حولا ولصلاح الأولاد عوامل عدة أذكر بعضها :1. الدعاء بالصلاح  لهم .                    3– حسن تأديبهم و تربيتهم  .2. القوت الحلال .                                4 -  مكوث الأم في البيت و تفرغها لتربية أولادها .اعلموا أحبتي في الله رحمكم الله أن الولد الصالح من كسب  أبيه عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: " إذا مات الرجل انقطع عمله إلا من ثلاث: ولد صالح يدعو له، أو صدقة جارية، أو علم ينتفع به " . الأمالي الشجرية - (ج 1 / ص 54)              واعلموا أن الذرية الصالحة هي مزيد النعيم في الجنة قال تعالى:" والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمان ألحقنا بهم   ذريتهم  و ما  ألتناهم من عملهم من شيء...".أقول ما تسمعون وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه تجدوه غفورا رحيما .                                                                                                                                                                                              الخطبة الثانية : الحمد لله الذي خلق من الماء بشرا فجعله نسبا وصهرا  والصلاة والسلام على معلم  البشرية ومنقذها من النار محمد صلى الله عليه وسلم-  إتباع سنة النبي صلى الله عليه وسلم :فالزواج أحبتي  في الله  من سنة النبي صلى الله عليه وسلم ومن منهجه  فعلى كل متزوج  أن يستحضر هذه النية حتى يؤجر فلا يكون زواجك أخي بمقتضى إشباع الغريزة أو إتباع عرف سائد وإنما هو شرع ومنهج سنه  الله تعالى لنا على لسان النبي صلى الله عليه وسلم .أحبتي في الله إن الإسلام هو دين الوسطية و الاعتدال  الذي لا يقبل التصوف و الرهبانية  والانزواء ،فهو دين عمارة  وحضارة وبناء وتشييد ،كما أنه دين الفطرة السوية وهذا ما نلحظه ونلمسه في هذا الحديث عن أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ :جَاءَ ثَلَاثَةُ رَهْطٍ إِلَى بُيُوتِ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسْأَلُونَ عَنْ عِبَادَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمَّا أُخْبِرُوا كَأَنَّهُمْ تَقَالُّوهَا فَقَالُوا وَأَيْنَ نَحْنُ مِنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ قَالَ أَحَدُهُمْ أَمَّا أَنَا فَإِنِّي أُصَلِّي اللَّيْلَ أَبَدًا وَقَالَ آخَرُ أَنَا أَصُومُ الدَّهْرَ وَلَا أُفْطِرُ وَقَالَ آخَرُ أَنَا أَعْتَزِلُ النِّسَاءَ فَلَا أَتَزَوَّجُ أَبَدًا فَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَيْهِمْ فَقَالَ أَنْتُمْ الَّذِينَ قُلْتُمْ كَذَا وَكَذَا أَمَا وَاللَّهِ إِنِّي لَأَخْشَاكُمْ لِلَّهِ وَأَتْقَاكُمْ لَهُ لَكِنِّي أَصُومُ وَأُفْطِرُ وَأُصَلِّي وَأَرْقُدُ وَأَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي"  صحيح البخاري - (ج 15 / ص 493).إخوة الإيمان  إن المتأمل في منهج القرآن والسنة  يلحظ بقوة  منطقية المنهج وتعامله  مع الفطرة السليمة وهذا من خلال حديث النبي عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ الدِّئلِيِّ عَنْ أَبِي ذَرٍّ أَنَّ نَاسًا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالُوا لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ذَهَبَ أَهْلُ الدُّثُورِ بِالْأُجُورِ يُصَلُّونَ كَمَا نُصَلِّي وَيَصُومُونَ كَمَا نَصُومُ وَيَتَصَدَّقُونَ بِفُضُولِ أَمْوَالِهِمْ قَالَ أَوَ لَيْسَ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ مَا تَصَّدَّقُونَ إِنَّ بِكُلِّ تَسْبِيحَةٍ صَدَقَةً وَكُلِّ تَكْبِيرَةٍ صَدَقَةً وَكُلِّ تَحْمِيدَةٍ صَدَقَةً وَكُلِّ تَهْلِيلَةٍ صَدَقَةً وَأَمْرٌ بِالْمَعْرُوفِ صَدَقَةٌ وَنَهْيٌ عَنْ مُنْكَرٍ صَدَقَةٌ وَفِي بُضْعِ أَحَدِكُمْ صَدَقَةٌ قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيَأتِي أَحَدُنَا شَهْوَتَهُ وَيَكُونُ لَهُ فِيهَا أَجْرٌ قَالَ أَرَأَيْتُمْ لَوْ وَضَعَهَا فِي حَرَامٍ أَكَانَ عَلَيْهِ فِيهَا وِزْرٌ فَكَذَلِكَ إِذَا وَضَعَهَا فِي الْحَلَالِ كَانَ لَهُ أَجْرًا" صحيح مسلم - (ج 5 / ص 177).                                                4- السكن النفسي : يعتبر  السكن النفسي من أهم  الغايات التي نرجو تحصيلها من الزواج  فقد قال تعالى :" هن لباس لكم وأنتم لباس لهن "و قال أيضا :" و من آياته ....لتسكنوا إليها و جعل بينكم  مودة ورحمة..."فالنساء شقائق الرجال فالرجل بقوته وعضلاته  وشدته يحتاج إلى ضعف وعطف المرأ ة  ليكمل بذلك إنسانيته وحياته وتواجده  و سعادته في هذه الحياة ويشبع عواطفه و روحه فالإنسان جسد و روح فبدون المر أة لا يسعد الرجل ،فالمرأة الصالحة هي من خير متاع الدنيا ،والمرأة بوصفها الحور العين هي من خير نعيم الرجل في الجنة قال تعالى :" ولهم فيها أزواج مطهرة وهم فيها خالدون ...""حور مقصورات  في الخيام  ...".ومن جهة أخرى المرأة بضعفها وحنانها تحتاج إلى الرجل الذي يحميها ويدفع عنها الضرر ويقف بجانبها ويواسيها و يرحمها ،فهما نصفان متكاملان يحتاج أحدهما إلى الآخر بل في التعبير القرآني أبلغ من ذلك أن أحدهما ألصق بالآخر وهو جزء منه كالثياب التي تلتصق بالبدن " هن لباس لكم و أنتم لباس لهن ...".أحبتي في الله لا يتسع المقام لأكثر من هذا .خلاصة القول : أن الزواج سبب للسعادة في الدنيا و الآخرة واكتساب الأجور وسبب لإيجاد الخلائف على وجه هذه الأرض يعبدون الله تعالى ويعمرون الأرض بالخير والسلام ،وفي الزواج معنى استكمال الرجل لشقه الثاني الذي هو المرأة فهي شريكة الرجل وأنيسة الدرب  وفي ذلك كله إتباع لمنهج الحبيب صلوا ت ربي وسلامه عليه ،نفعني الله وإياكم  بالقرآن الحكيم  وبهدي نبيه محمدصلى الله عليه وسلم والله علمنا أن ندعو : ربنا هب لنا من أزواجنا و ذرياتنا قرة أعين واجعلنا للمتقين إماما،اللهم ربنا إنا نسألك رضاك والجنة ونعوذ بك من سخطك والنار ،اللهم أصلح فينا ما ظهر وأصلح فينا ما بطن وأصلح شبابنا وشباب المسلمين ......................آمين.

أكتب تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *