قيمة الوقت

الحمد لله رب العالمين، خلق كل شيء فقدره تقديراً؛ وهو الذي جعل الليل والنهار خلفة لمن أراد أن يذكر أو أراد شكوراً؛ أحمده تعالى وأشكره، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وسِع كل شيء رحمة وعلماً وتدبيراً، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله هادياً ومبشراً ونذيراً؛ وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً؛ صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.
أما بعد:
فيا أيها المسلمون: إن الوقت الذي نعيشه في هذه الحياة الدنيا هو أنفس ما لدينا، ولا يقدر بالأثمان، وكل مفقودٍ يمكن أن يسترجع إلا الوقت، فإن ضاع لم يتعلق بعودته أمل، ولذلك كان على المسلم أن يحفظه فيما ينفعه في آخرته ودنياه، ويصونه عن الضياع باللهو والغفلة، ويستقبل أيامه استقبال شديد الظمأ لقطرة الماء، واستقبال الضنين للثروة النفيسة، لا يفرط في قليلها فضلاً عن كثيرها، ويجتهد أن يضع كل شيء مهما ضؤل موضعه اللائق به.
ولقد عني القرآن والسنة بالوقت من نواحٍ شتى وبصور عديدة، فقد أقسم الله في مطالع سور عديدة بأجزاء منه مثل: الليل، والنهار، والفجر، والضحى، والعصر، كما في قوله تعالى: (وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى، وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى)،(وَالْفَجْرِ، وَلَيَالٍ عَشْرٍ)، (وَالضُّحَى ) ، (وَالْعَصْرِ ، إِنَّ الإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ). ومن المعروف أن الله إذا أقسم بشيء من خلقه دلَّ ذلك على أهميته وعظمته، كما أنه ليلفت الأنظار إليه، وينبه على جليل منفعته.
وجاءت السنة كذلك لتؤكد على أهمية الوقت وقيمة الزمن، وتقرر أن الإنسان مسؤول عنه يوم القيامة، ففي الحديث الصحيح عن أبي برزة رضي الله عنه قال: قال رسول الله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: « لا تزول قدما عبدٍ يوم القيامة حتى يسأل عن أربع: عن عمره فيما أفناه، وعن شبابه فيما أبلاه، وعن ماله من أين اكتسبه وفيما أنفقه، وعن علمه ماذا عمل به » .  وأخبر النبي أن الوقت نعمة من نعم الله على خلقه ولابد للعبد من شكر النعمة وإلا سُلبت وذهبت. وشكر نعمة الوقت يكون باستعمالها في الطاعات، واستثمارها في الباقيات الصالحات، يقول صلى الله عليه وسلم : «نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة، والفراغ» رواه البخاري.
أخي المسلم: إن العمر الذي تعيشه هو مزرعتك التي تجني ثمارها في الدار الآخرة، فإن زرعته بخيرٍ وعمل صالح جنيت السعادة والفلاح، وكنت مع الذين ينادى عليهم في الآخرة: (كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ ) الحاقة:24 وإن ضيعته في الغفلات، وزرعته بالمعاصي والمحرمات؛ ندمت على ما قدمت يداك حيث لا ينفعك الندم، وتمنيت الرجوع إلى الدنيا لتعمل ولو حسنة واحدة ولكن هيهات هيهات ويقال يومئذ للمفرط: ( أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ ) .
إن الكيس الحصيف يحافظ على وقته محافظة شديدة، لأن الوقت عمره، فإذا أضاع منه ولو شيئاً يسيراً في غير ما شرعه الله كان عليه حسرةً وندامةً يوم القيامة، وكل ساعة تمرُّ على ابن آدم تقربه إلى الآخرة وتبعده من الدنيا، قال أبو الدرداء رضي الله عنه: ابن آدم! إنما أنت أيام كلما مضى منك يوم مضى بعضك وقال الحسن رحمه الله: ما من يومٍ ينشق فجره إلا نادى: يا بن آدم! أنا خلق جديد، وعلى عملك شهيد، فتزود فيَّ بعملٍ صالح، فإني لا أعود إلى يوم القيامة فغريب شأن هؤلاء الناس كيف يلهون ويلعبون، ويركضون وراء شهواتهم والموت يأتي بغتة، وينسون أنهم على ربهم معروضون، وكل ذرة من أعمالهم محسوبة ( يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا أَحْصَاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ ) المجادلة:6.
إن الإسلام - عباد الله- دينٌ جعل للوقت مكانته، وحث على شغله بالطاعات والقربات، وحذر أشد التحذير من إهماله أو إعماله في المخالفات، وجعل من علامات الإيمان وأمارات التقى أن يعي المسلم هذه الحقيقة، ويسير على هداها، وإنه لمن المؤسف حقاً أن كثيراً من الناس اليوم ابتلوا بتضييع الأوقات بالمحرمات، واتباع الشهوات، والعكوف على المغريات والملهيات، في الوقت الذي نرى فيه أعداء الإسلام يبذلون قصارى جهدهم، ويُعملون كل الوسائل لصد المسلمين عن دينهم، فهل استعد كل مسلم منا للوقوف بين يدي الله، وأعد أجوبة للأسئلة العظيمة: عن عمره فيما أفناه؟ وعن شبابه فيما أبلاه؟
بأي جوابٍ سيجيب من أفنوا أعمارهم، وقتلوا أوقاتهم، وأبلوا شبابهم وأمضوا الأوقات الطوال في الفايسبوك ومع الأجهزة الذكية في اللغو والفارغات فضلا عن ما يسخط الله من  الأفكار الملوثة، والأخلاق السيئة، والأعمال الرذيلة؟
أيها المسلمون: لنتق الله ولنعدَّ لهذا الأمر عُدَّته، ولنحذر التسويف فإن الموت يأتي بغتة، ولا نغتر بحلم الله عز وجل، فهو القائل: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ * وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ ) الحشر:18-19.
اللهم اجعل خير أعمالنا خواتمها، وخير أعمارنا أواخرها، وخير أيامنا يوم لقائك، اللهم وفقنا لشغل أوقاتنا وأعمارنا بطاعتك.
أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم ولجميع المسلمين، فاستغفروه يغفر لكم، وتوبوا إليه يتب عليكم؛ إنه كان تواباً.

الخطبة الثانية:

الحمد لله؛ هو الأول والآخر والظاهر والباطن وهو بكل شيء عليم، أحمده تعالى وأشكره، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه.
أما بعد:
أيها المسلمون: إن أعماركم رؤوس أموالكم، ورصيدكم الذي ينفعكم في الدنيا والآخرة، فاغتنموها بالأعمال الصالحة قبل فواتها، فقد ورد في الحديث الصحيح عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: {اغتنم خمساً قبل خمس: حياتك قبل موتك، وصحتك قبل سقمك، وفراغك قبل شغلك، وشبابك قبل هرمك، وغناك قبل فقرك } وقد فرط كثير من الناس في هذا الزمان في هذه الأمور فلم يرعوها حق رعايتها، فالصحة والفراغ، والشباب والغنى من أكبر النعم التي يغبن فيها الناس، ولا يقوم كثيرٌ منهم بشكرها على الوجه المطلوب، فتنقلب هذه النعم نقماً على أصحابها والعياذ بالله.
إنَّا لنفرحُ بالأيام نقطعها *** وكل يوم مضى جزءٌ من العمرِ
الفراغ نعمة يغفل عنها كثير من الناس فنراهم لا يؤدون شكرها، ولا يقدرونها حق قدرها، فعن ابن عباس أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة، والفراغ» رواه البخاري
يقول أحد الصالحين: "فراغ الوقت من الأشغال نعمة عظيمة، فإذا كفر العبد هذه النعمة  ما كان يجده من صفاء قلبه".
فلابد للعاقل أن يشغل وقت فراغه بالخير وإلا انقلبت نعمة الفراغ نقمة على صاحبها، ولهذا قيل: "الفراغ للرجال غفلة، وللنساء غُلْمة" أي: محرك للشهوة.
من أعظم الوسائل التي تعين المسلم على اغتنام وقته في طاعة الله. وهي دأب الصالحين وطريق المتقين، فحاسب نفسك أخي المسلم واسألها ماذا عملت في يومها الذي انقضى؟ وأين أنفقت وقتك؟ وفي أي شيء أمضيت ساعات يومك؟ هل ازددت فيه من الحسنات أم ازددت فيه من السيئات؟.
 روي عن ابن مسعود أنه قال: ما ندمت على شيء ندمي على يوم غربت شمسه نقص فيه أجلي ولم يزدد فيه عملي.
عباد الله:

إن مما يبتلى به المرء تجاه وقته، التسويف الذي هو آفة تدمر الوقت وتقتل العمر، وللأسف فقد أصبحت كلمة "سوف" شعارًا لكثير من المسلمين وطابعًا لهم تلوكه ألسنتهم وبه يتشدقون، يقول الحسن: "إياك والتسويف، فإنك بيومك ولست بغدك". فإياك أخي المسلم من التسويف فإنك لا تضمن أن تعيش إلى الغد، وإن ضمنت حياتك إلى الغد فلا تأمن المعوِّقات من مرض طارئ أو شغل عارض أو بلاء نازل، واعلم أن لكل يوم عملاً، ولكل وقت واجباته، فليس هناك وقت فراغ في حياة المسلم، كما أن التسويف في فعل الطاعات يجعل النفس تعتاد تركها، وامتثل قول الشاعر الحكيم: 

تزوَّد من التقوى فإنك لا تدري *** إذا جنَّ ليلٌ هل تعيشُ إلى الفجرِ
 فكم من سليمٍ مات من غير عِلَّةٍ *** وكم من سقيمٍ عاش حِينًا من الدهرِ
وكــــــــم من فتىً يمسي ويصبح آمــــنًا *** وقـد نُسجتْ أكفانُه وهو لا يدري
فبادر أخي المسلم باغتنام أوقات عمرك في طاعة الله، واحذر من التسويف والكسل، فكم في المقابر من قتيل سوف!. والتسويف سيف يقطع المرء عن استغلال أنفس ما عنده في طاعة ربه، أو نفع نفسه وغيره. فاحذر أن تكون من قتلاه وضحاياه. فالوقت أنفاسٌ لا تعود، ولو جمعت لها الحرس والجنود،  فالله الله عباد الله في استغلاله وترتيبه، حتى يعود علينا بالنفع العميم، ويدفع عنا الخطر الجسيم.

  عباد الله هذا غيض من فيض ونقطة من بحر في قيمة الوقت والحض على استغلاله، فالله نسأل أن يجعلنا ممن يعظم شعائره  " ذلك ومن يعظم شعائر الله فإنها ومن تقوى القلوب  " اللهم يا الله يا كريم يا رحمن يا رحيم يا سميع يا قريب يا مجيب يا من بيده ملكوت كل شيء وإليه يرجع الأمر كله يا رحمن الدنيا والآخرة نسألك اللهم أن تغفر لنا ذنوبنا وتكفر عنا سيئاتنا وتتقبل جميع أعمالنا
اللهم إنا نسألك الهدى والتقى والعفاف والغنى اللهم آت نفوسنا تقواها وزكها أنت خير من زكاها أنت وليها ومولاها اللهم اجعلنا من أفضل عبادك نصيبا في كل خير تقسمه من نور تهدي به  وعمل تعلي به ويقين تقرب به وبلاء تصرفه يا أرحم الراحمين  اللهم وفق المسلمين إلى ما تحب وترضى وأحينا في عز وهناء وطمأنينة واستقرار  اللهم رحماك بالمستضعفين رحماك بالمحتلين رحماك بالمساجين المظلومين رحماك بالمرضى المصابين خفف وطأتهم وفرج همهم  واكشف غمهم اللهم أبرم لهذه الأمة يوم رشد يعز فيه طاعتك ويذل فيه أهل معصيتك اللهم ارفع راية الإسلام خفاقة حيثما بلغ الليل والنهار اللهم مكن لدينك في الأرض واجعلنا سببا للتمكين واغفر اللهم لموتانا وارحمهم يا أرحم الراحمين  آمين آمين  آمين والحمد لله رب العالمين.

أكتب تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *