إن الحمد لله نحمده، و نستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأ شهد أن محمداً عبدُه و رسولُه. (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَتَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً). (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ).
أيها المجتمعون لصلاة الجمعة، الله تعالى خلق هذا الكون وفق سنن ونواميس لا تتغير ولا تتبدل،(سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلُ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلاً الفتح : 23 ولا يفلح الإنسان إلا إذا عاش وفق هذه السنن وعايشها، والخاسر من عاكس هذه السنن أو صادمها (فَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلاً وَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلاً فاطر : 43.
أيها المتأملون في خلق الله نبصر جيدا في هذه الأيام أيام الربيع تجدد حياة الكائنات، تأملوا يرحمكم الله في النباتات كيف أخرجت أوراقها من جديد واكتست حللا خضراء وألوانا زاهية لتثمر من جديد، تأملوا يرحمكم الله في العصافير تملأ الصبح تغريدا لتبني أعشاشا بعد سبات في الشتاء، بل حتى الإنسان ينتشيه جو الربيع الرائق الجميل ليقيم الأعراس والولائم، نعم إنها سنة التجديد في الحياة أو سنة التجدد والاستحداث التي جعلها الله في الكائنات.
أيها المستبصرون، يبين الله لنا من تجدد الحياة في الربيع أنه قادر أن يُبدئَ حياة الكائنات من جديد (قُلْ هَلْ مِن شُرَكَآئِكُم مَّن يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ قُلِ اللّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ يونس : 34 (أَوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ. قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ العنكبوت :19- 20 (وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ الروم : 27 فهذا دليل أن البعث حق، وأن بعد الموت نشورا وحسابا وجزاء.
أيها الموقنون بالبعث، لا يوجد أحد منا ينكر حقيقة البعث والحساب، ولكن في كثير من الأحوال أعمالنا تبين أننا في شك من الآخرة، أليس عندما يسطو مسلم على ميراث أو يبتلع أموال اليتامى أليس هذا في شك من الآخرة، أليس عندما يرمي الناس بالزور ويلفق لهم التهم ويهتك أعراضهم ويقتلهم هما وغيظا أليس هذا في شك من الآخرة، أليس عندما يقطع الأرحام ويفرق بين الأقارب والأزواج أليس هذا في شك من الآخرة (بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِّنْهَا بَلْ هُم مِّنْهَا عَمِونَ النمل : 66 أَلَا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُم مَّبْعُوثُونَ. لِيَوْمٍ عَظِيمٍ. يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ المطففين :4-5-6
أيها المؤمنون، سنة التجديد نعمة عظيمة نبصرها جلية في حياتنا، في أجسادنا فخلايا الدم تتجدد كل ثلاثة أشهر، وخلايا الجلد تتجدد كل 10 أيام، والهيكل العظمي يتجدد كليا كل 10 سنوات، فسبحان الله العظيم، كما أن أجيال البشر تتجدد كل أربعين عاما.
أيها المتأملون في سنن الله، الحياة ترفض الجمود، الحياة في حركية وتجدد مستمر، فيجب أن نجدد من حياتنا، ونجدد في ديننا ونجدد إيماننا، فروي في سنن أبو داود عن رسول الله (ص) أنه قال:" : "إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها" فالعلماء والدعاة يجددون للناس دينهم بمحاربة البدع والخرفات والشرك وتجديد العقيدة في النفوس وإحياء ما أميت من هدي القرآن وميراث النبوة، بل حتى القرآن يتجدد في كل عصر لنكتشف نحن المؤمنون به معاني جديدة وأفهاما تتناسب مع تطور العصر وتبدل الحياة فلذلك سماه الله تعالى بالحديث في كثير من المواضع لأنه تستحدث معانيه (فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِن لَّمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفاً الكهف: 6 (اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَاباً مُّتَشَابِهاً مَّثَانِيَ) (فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِّثْلِهِ إِن كَانُوا صَادِقِينَ الطور: 34، فنقرأ بعض الآيات عشرات أو مئات المرات حتى نتفاجأ بمعنى ومفهوم حديث كأنه أنزل الآن.
أيها المؤمنون، نحتاج إلى تجديد إيماننا، فالغفلة والمعاصي والإبتعاد عن آيات الذكر الحكيم تورث ضعف الإيمان، (كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ المطففين:14 فنحتاج إلى تجديد إيماننا بقراءة القرآن الكريم وتدبر آياته وبقيام الليل وحضور مجالس الذكر فلقد صح عن رسول الله (ص) في ما يرويه الحاكم وغيره أنه قال: إن الإيمان ليبلى في جوف أحدكم كما يبلى الثوب فجددوا إيمانكم بملاقاة إخوانكم).
أيها المؤمنون، نحتاج إلى تجديد توبتنا، ألسنا نذنب بالليل والنهار، ألسنا مقصرون في جنب الله لأن الأجل قد يباغتنا ونحن غافلون، أخي الكريم جدد توبتك وعد إلى رحاب الله فالله كريم تيقن أنه سيبدل سيئاتك حسنات، سامح من ظلمك وعش سليم القلب صافي الذهن، جدد وصيتك وأضف فيها ما جد لديك من ديون وتبعات بل نفدها إن استطعت.
أخي الكريم جدد من حياتك جدد في فكرك وثقافتك، جدد في أسلوب عيشك وكسب رزقك، جدد في علاقاتك مع ربك مع نفسك وأهلك ووالديك وأولادك، فجدد حياتك بطلب العلم، ليس شرطا أن تكون في سن التمدرس أو في الجامعة ولكن طلب العلم ليس له عمر محدد، فاحضر مجالس العلم وثقف نفسك باستعمال الوسائل الحديثة ومطالعة الكتب ولقد كان للشيخ محمد الغزالي رحمة الله عليه جهد مشكور في كتابه جدد حياتك وأمثال هذه الكتب وغيرها كثير، والسفر يجدد فكر الإنسان ويقوي عزيمته ويوسع أفقه ففي كثير من النزاعات والخلافات تجد أصحابها لم يخرجوا من ميزاب لسنين كثيرة.
أيها المجددون، التجديد سنة أرادها الله تعالى لتستمر الحياة على الأرض، فيجب أن نجدد في أساليب التربية والتعليم بما يتوافق مع تطورات العصر، فتربية جيل ما بعد الألفين يختلف عن تربية جيل الثمانينات والتسعينات، كما يجب أن نجدد في أساليب ووسائل العمل في مؤسساتنا الإقتصادية ومؤسساتنا الإجتماعية والعرفية وذلك بدفع أبنائنا لطلب العلم في تخصصات جديدة وتمكينهم من تحمل المسؤولية وتقليدهم مهام تتوافق مع خبرتهم، فنحتاج في مؤسساتنا إلى دم جديد دم الشباب يثمر خيرا كثيرا مع خبرة وتجربة الشيوخ. اللهم جدد الإيمان في قلوبنا وجدد توبتنا وارزقنا أعمالا صالحة ترضى بها عنا إنك أنت التواب الرحيم.
(إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً).
الخطبة الثانية: الحمد لله الَّذِي يبدأ الخلق ثم يعيده، ويبدل سيئات التائبين حسنات، والصلاة والسلام على أعظم المجددين بعثه ربه رحمة للعالمين وعلى أصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أيها المسلمون، ديننا دين الوسطية والاعتدال، أكثر الناس في موضوع التجديد على طرفي نقيض، من الناس من لا يقبل أي جديد مهما كان نفعه، يعشق القديم مهما كان ضره، لا يريد أن يحيد عن ما وجد عليه الآباء والأجداد وعلى النقيض أناس يرحبون بكل جديد مهما كان يريدون تجديد كل شيء ورمي كل موروث بل نزعه من أصوله وجذوره ولو كان مجديا نافعا، وهذا كله مرده سوء الفهم للدين، فالإسلام فيه ما يسمى بفقه الثابت والمتغير، فالعقيدة والعبادات والشعائر أمور ثابتة لا تتغير تجدد بإعادة تثبيتها وتوكيدها، أما الوسائل والأساليب ونمط عيش الناس وأمور الحياة تتبدل وتجدد حسب تغير الزمان والمكان.
أيها المجددون، خاصة الشباب، عملية التجديد تكون بالتدريج، من أراد أن يغير ويجدد بالقوة وبين عشية وضحاها سيفسد أكثر مما سيصلح، بل سيخسر القديم الأصيل النافع ولا يحقق شيئا جديدا مما يصبو إليه.
خلاصة القول أن الربيع يعلمنا أن التجديد سنة ربانية كونية تذكرنا بالبعث والنشور وتحفزنا لتجديد إيماننا وتوبتنا وتجديد حياتنا من حسن إلى أحسن.
اللهم لك الحمد كله ولك الشكر كله لك الحمد إنك على كل شيء قدير اللهم اغفر لنا ما مضى من عمرنا واعصمنا فيما بقي منه واجعل يومنا خيرا من أمسنا واجعل غدنا خيرا من يومنا وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم.
اللهم أغثنا من فضلك غيثا مغيثا عاجلا غدقا نافعا غير ضار.
اللهم هذه الأيام الأولى من شهر شعبان الخير فاللهم بارك لنا في شعبان وبلغنا رمضان.
اللهم ارزقنا شكر نعمتك وحسن عبادتك وأصلح ذرياتنا وتب علينا واجعلنا من المسلمين لك إنك أنت التواب الرحيم.
اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا وأصلح لنا آخرتنا التي إليها معادنا واجعل الحياة زيادة لنا في كل خير واجعل الموت راحة لنا من كل شر. والحمد لله رب العالمين.