إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن سيدنا محمدا عبده ورسوله.
عباد الله أوصيكم ونفسي بتقوى الله العلي العظيم، فاتقوا الله في السر والعلن، وخافوه ولا تعصوه، يقول الله تبارك وتعالى في كتابه العزيز: ﴿يَآ أَيُّهَا الذِينَ ءَامَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ إِنَّ اللهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ البقرة:153.
إخوة الإيمان إن الله تبارك وتعالى خلقنا وأوجدنا في هذه الدنيا ليبتلينا، أي ليختبرنا أينا أحسن عملا،فيصبر على البلايا والمحن والمصائب ولا يعترض على الله ولا يكفر بالله. ودلّنا سبحانه على سبل النجاة، ألا وهي الاستعانة بالصبر والصلاة، أمّا الصبر إخواني الصائمون فهو حبس النفس وقهرها على لذيذ تفارقه أو مكروه تتحمّله، فالصابر يجاهد ويعصي نفسه، ليطيع ربّ العباد. فمن كان أمره كذاك فله البشرى العظيمة التي بشر الله بها الصابرين بقوله (إنّ الله مع الصابرين). والمعية المذكورة في هذه الآية أحبابنا هي معية النصرة و الحفظ ،أي أنّ الله يحفظهم وينصرهم.
عباد الله، يقول الله تبارك وتعالى في آية أخرى في محكم تنزيله: ﴿يَآ أَيُّهَا الذِينَ ءَامَنُواْ اصْبِرُواْ وَصَابِرُواْ وَرَابِطُواْ وَاتَّقُواْ اللهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ آل عمران:200.
يأيها الذين آمنوا: نداء من الله سبحانه للمؤمنين، فيه تشريف وتكليف وفيه شهادة من الله سبحانه بالإيمان. فالمؤمن يجب أن يُحس بالشرف والعزة عند سماع هذا النداء. الله سبحانه وتعالى يأمر بخُلق كريم وهو الصبر. والصبر كما عرّفه العلماء: هو عدم الجزع، وعدم القلق، وعدم الضجر. ثمّ يجب علينا أن نعلم إخوة الإيمان أن كلّ ما يعتري الإنسان في هذه الحياة هو مقدّرٌ من عند الله، وبالتالي علينا أن نتجلّد بالصبر حتى لا نصل إلى اليأس والقنوط.
ثمّ يقول في الآية وصابروا: أي التواصي بالصبر، ﴿وَالْعَصْرِ، إِنَّ الاِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ، اِلاَّ الذِينَ ءَامَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾.
ثمّ يقول سبحانه ورابطوا: أي المداومة على الصبر، المرابطة على العمل الصالح، المرابطة على عمارة المساجد وخاصة في هذا الشهر الفضيل.
عباد الله يجب أن يكون للمسلم رصيد كبير من الصبر حتى يصل إلى درجة الأنبياء عليهم السلام، حيث أنّ الصبر كان خلقُهم عليهم السلام في دعوتهم إلى الله وصبرهم على أذى قومهم، قال الله جلّ وعلا: ﴿وَإِسْمَاعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا الْكِفْلِ كُلٌّ مِّنَ الصَّابِرِينَ، وَأَدْخَلْنَاَهُمْ فِي رَحْمَتِنَآ إِنَّهُمْ مِّنَ الصَّالِحِينَ﴾ الأنبياء:86، وقال عن سيدنا أيّوب: ﴿اِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِّعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ ص:44. هذا نبي الله أيّوب ابتلاه بمرض ألزمه الفراش، فذهب ماله وولده وتخلّى عنه كلّ أحد إلّا امرأته فإنّها لازَمته على حاله كلّها، فأمره الله : ﴿اُرْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ﴾ ص:42. فشرب من العين البارد واغتسل وزال عنه كلّ شيء ,وقال الله عزّ وجلّ فيه: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُم مَّعَهُمْ رَحْمَةً مِّنَّا وَذِكْرَىا لأُوْلِي الألباب، وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِب بِّهِ وَلاَ تَحْنَثِ إنا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِّعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ ص:43-44
وأمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم بالصبر فقال: فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلاَ تَسْتَعْجِل لَّهُمْ.
وفي حديث لابن عَبْدِ اللهِ، قَالَ: كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَحْكِي نَبِيًّا مِنَ الْأَنْبِيَاءِ ضَرَبَهُ قَوْمُهُ، وَهُوَ يَمْسَحُ الدَّمَ عَنْ وَجْهِهِ، وَيَقُولُ: «رَبِّ اغْفِرْ لِقَوْمِي فَإِنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ». وهنا حسب ما يقول العلماء إشارة واضحة لما لاقاه النبيّ في الطائف حيث حُرّض عليه الأولاد والصبيان فضربوه حتى سالت الدّماء منه، وبعث الله سيدنا جبريل عليه السلام ومعه ملك الجبال فقال له إن شئت أطبقت عليهم الأخشبين، لكن الرسول كان رحيما بأمّته، فصبر لما آذوه وأحسن إليهم. هذا ولقد ابتلي الرسول صلى الله عليه وسلم بعد هجرته بفئتين من الناس وهم اليهود والمنافقين فصبر على آذاهم فكان له من الله العلي القدير الجزاء الأوفى: ﴿ وَمَنَ اَحْسَنُ قَوْلاً مِّمَّن دَعَآ إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَلاَ تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلاَ السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنـَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ، وَمَا يُلَقَّاهَآ إِلاَّ الذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَآ إِلاَّ ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ فصلت:33-35.
ثمّ جاءت حادثة الإفك، تصوّروا إخواني الكرام كيف ابتلي الرسول صلى الله عليه وسلم في أعز مخلوقين محبوبين لديه (زوجه عائشة وصديقه وصهره أبو بكر الصّديق). فصبر صلى الله عليه وسلم واحتسب أمره لله سبحانه وتعالى ،حتى جاءت البيّنة من فوق سبع سماوات بعد عدة أيّام من التمحيص: ﴿وَلَوْلآَ إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُم مَّا يَكُونُ لَنَآ أَن نَّتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ، يَعِظُكُمُ اللهُ أَن تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَدًا اِن كُنتُم مُّومِنِينَ، وَيُبَيِّنُ اللهُ لَكُمُ الاَيَاتِ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ، اِنَّ الذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فيِ الذِينَ ءَامَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ اَلِيمٌ فيِ الدُّنْيَا وَالاَخِرَةِ وَاللهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ، وَلَوْلاَ فَضْلُ اللهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللهَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ النور:16-20.
إخوة الإيمان يقول الله تبارك وتعالى في سورة البقرة: ﴿ وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الاَمْوَالِ وَالانفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ، الذِينَ إِذَآ أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا للهِ وَإنَّآ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ، أُوْلَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبـِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ البقرة:155-157. انظروا إخواني في بداية هذه الآيات ،الله سبحانه قال (بشيء): وهو مقدور قليل حسب طاقة الإنسان، فإذن يجب بذل الجهد والطاقة للصبر وهذا للفوز بالأجر العظيم.ثمّ تأتي البشرى: (وبشر الصّابرين): الصبر يكون عند الصدمة الأولى: عدم الجهل، عدم الكفر، عدم التلفظ بكلمات تدل على عدم الرّضا بقضاء الله وقدره. وعند البلية كلّ إنسان ينطق ويتلفّظ بما ألفه لسانه، فالمؤمن يقول: الله أكبر، إنّا لله وإنّا إليه راجعون، أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون.
في زمن النبي صلى الله عليه وسلم شكا الصحابي خباب بن الإرث إلى النبي صلى الله عليه وسلم بعدما فقد الأمل والصبر والتحمّل، فللنّفس إقبال وإدبار، فما كان جواب النبي صلى الله عليه وسلم؟ {قَدْ كَانَ مَنْ قَبْلَكُمْ، يُؤْخَذُ الرَّجُلُ فَيُحْفَرُ لَهُ فِي الأَرْضِ، فَيُجْعَلُ فِيهَا، فَيُجَاءُ بِالْمِنْشَارِ فَيُوضَعُ عَلَى رَأْسِهِ فَيُجْعَلُ نِصْفَيْنِ، وَيُمْشَطُ بِأَمْشَاطِ الحَدِيدِ، مَا دُونَ لَحْمِهِ وَعَظْمِهِ، فَمَا يَصُدُّهُ ذَلِكَ عَنْ دِينِهِ، وَاللَّهِ لَيَتِمَّنَّ هَذَا الأَمْرُ، حَتَّى يَسِيرَ الرَّاكِبُ مِنْ صَنْعَاءَ إِلَى حَضْرَمَوْتَ، لاَ يَخَافُ إِلَّا اللَّهَ، وَالذِّئْبَ عَلَى غَنَمِهِ، وَلَكِنَّكُمْ تَسْتَعْجِلُونَ} هذه إخواني بعض صور من صبر من كان قبلنا، ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لأُوْلِي الاَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَىا وَلَكِن تَصْدِيقَ الذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُومِنُونَ﴾ يوسف:111.
فيا عباد الله اتقوا الله وتزوّدوا في هذه الحياة، فكم في المقابر من أناس صاموا معنا رمضان في أعوام ماضية،وهم الآن تحت الثّرى رُهناء الأعمال، واحمدوا الله أن أمهلكم لتُدركوا هذا الموسم العظيم، فعليكم بالصبر الجميل وبالتوبة النّصوح وبالنيّة الصادقة على استغلال رمضان واغتنامه بالأعمال الصالحة.
أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم، فاستغفروه إنّه هو البرّ الرحيم.