خطبة عيد الفطر المبارك 1435هـ

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله وصفيُّه من خلقه صلوات ربي وسلامه عليه ما دامت السماوات والأرض وعلى صحابته الكرام الغر الميامين أفضل الرضا والتسليم، أما بعد:
الله أكبر الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله، الله أكبر الله أكبر ولله الحمد.
الله أكبر كبيرا والحمد لله كثيرا، وسبحان الله بكرة وأصيلا.
نحمدك يا رب حمداً يليق بجلال قدرك،وعظيم شأنك،وواسع علمك،ومطلق سلطانك،فسبحانك اللهم وبحمدك وتبارك اسمك وتعالى جدك، وتقدست أسماؤك وتنزهت عن النقص صفاتك،نحمدك يارب يا من لا يحمد على مكروه سواه،نحمدك يا رب على ما تفضلت وأنعمت به علينا من نعمٍ لا تعد ولا تحصى،وإنَّ أعظم نعمةٍ أنعمت بها علينا هي نعمة الإسلام،ولك الحمد على نعمة الصيام في شهر القرآن إذ ننال به مغفرتك ورفع الدرجات والعتق من النيران، ولك الحمد على ما قضيت وأوليت ولك الحمد على ما أخذت وعلى ما أعطيت،فاللهم لك الحمد بجميع المحامد حمدا يرضيك عنا ويورثنا جنتك، اللهم لك الحمد حتى ترضى ولك الحمد إذا رضيت ولك الحمد بعد الرضا،عباد الله أذكروا الله يذكركم واشكروه ولا تكفروه يزدكم ويتم نعمته عليكم.
عباد الله إننا في يوم عظيم من أيام الله المباركة، يوم عيد الفطر الذي جعله الله فرحة أولى للصائمين،وتكرُمَةً للمؤمنين العاملين وفي ذلك يقول الرسول صلى الله عليه وسلم:{لِلصَّائِمِفَرْحَتَانِفَرْحَةٌعِنْدَفِطْرِهِوَفَرْحَةٌعِنْدَلِقَاءِرَبِّهِ}.
فاللهم يا رب لقد أدركنا الفرحة الأولى فلا تحرمنا من الفرحة الثانية عند لقائك وأنت راض عنَّا،فأنت القريب المجيب،وأنت القائل وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداعي، فاللهم اجعلنا من عبادك الذين استجابوا لك وآمنوا بك فاستجبت لهم،واجعلنا اللهم ممن صام رمضان وقامه إيمانا واحتسابا ونعوذ بك أن نكون ممن دخل عليه رمضان فانسلخ ولم يغفر له، أو ممن قال فيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم:{رُبَّ صَائِمٍ حَظُّهُ مِنْ صِيَامِهِ الْجُوعُ وَالْعَطَشُ وَرُبَّ قَائِمٍ حَظُّهُ مِنْ قِيَامِهِ السَّهَرُ}.
وإنه أول ما ينبغي أن نتواصى به أيها الإخوة المؤمنون في هذا المقام المبارك وفي هذا اليوم العظيم،تقوى الله تعالى والعمل لليوم الذي يقف فيه كل إنسان أمام خالقه يوم لا يجزي والد عن ولده،ولا مولود هو جاز عن والده شيئا، يوم يفر المرء من أخيه وأمه وأبيه وصاحبته وبنيه لكل امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه، يومئذ يصدر الناس أشتاتا ليرو أعمالهم فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره، إنهم يرونه بعيدا ونراه قريبا يوم تكون الناس كالمهل وتكون الجبال كالعهن ولا يسأل حميم حميما، يبصرونهم يود المجرم لو يفتدي من عذاب يومئذ ببنيه وصاحبته وأخيه وفصيلته التي تؤويه ومن في الأرض جميعا ثم ينجيه.
أيها الإخوة المؤمنون- إن انقضى رمضان وانتهى فإن العبادة لا تنقضي بانقضائه ولا تنتهي بانتهائه، بل هي شاملة لكل نواحي حياة الإنسان من حين بلوغه إلى أن يلقى الله تعالى، حيث يقول جل من قائل:{وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالاِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ، مَآ أُرِيدُ مِنْهُم مِّن رِّزْقٍ وَمَآ أُرِيدُ أَنْ يُّطْعِمُونِ، إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ}الذاريات56-56.
وليس العبادة -أيها المؤمنون- مقصورةً على الشعائر التعبدية وحدها كما يخطئ الكثير من الناس في فهمها-بل حقيقة العبادة- تظهر في سلوك الناسِ وأخلاقهم ومعاملات بعضهم لبعض، تظهر في البيت مع الزوجة والأولاد والوالدين،وتظهر في المتجر والمصنع والمعمل والمكتب،وفي السوق ومع الجيران والأجراء والشركاء، فالإسلام ليس دين رهبانية،وتنسك وانزواء، وانطواء إنما هو دين حياة وعمل، دين كفاح وجهاد ولنا في ذلك أعظم مثل وقدوة هي حياة الرسول صلى الله عليه وسلم وصحابته،وفي ذلك يقول الصادق المصدوق: {لغدوة في سبيل الله أو روحة خير من الدنيا وما فيها}،ويقول في شأن الأخلاق:{إنَّ المؤمن ليبلغ بحسن خلقه درجة الصائم القائم}ويقول تعالى في ذلك:{وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُومِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَىا عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّـئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ}التوبة:105
عباد الله وإنَّ مما نتواصى به في هذه الظروف الصعبة وفي هذه المحنة العصيبة أوّلاً:الرضا بقضاء اللهِ وقدرِه والصبرِ على البلاء محتسبين بذلك الأجر عند الله،ولنعلم أن ما أصابنا محصيٌّ مكتوبٌ في علم الله قبلَ خلقِ السماوات والأرض فما علينا إلا أن نسلِّمَ به ونرضى به ونذعن له فإن ذلك من تمام الإيمان بقضاء الله وقدره خيره وشره،وهو القائل:{مَآ أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ اِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُّومِنم بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ}الطلاق:11
ثانيا: أنْ نعلمَ أنَّ ما أصابنا إنما هو بسبب ذنوبنا ومعاصينا فلنراجع أنفسنا في علاقاتنا مع الله ومع بعضنا البعض.
عباد الله، لقد مرَّتْ بنا أحداث أليمةٌ وفتنٌ لم نشهد مثلها،نسأل الله تعالى أنْ يطفأَ نارها ويذهبَ شَنَارَهَا ويَقِيَنَا شُرُورَهَا ويجعلَ عاقبتها خيراً ويدفع عنَّا ما هو أعظم.
اعلموا أيها الإخوة المؤمنون أنَّما يصيب الأمم والمجتمعات من بلايا ومحن مردها إلى إحدى ثلاث:
أولا:إما عقابٌ من اللهِ بسبب كفرِ النِّعَمِ والإعراضِ عن دين الله وفشوِّ المعاصي والموبقات،وذلك لقوله تعالى:{وَكَأَيـِّن مِّن قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنَ اَمْرِ رَبـِّهَا وَرُسُلِهِ فَحَاسَبْنَاهَا حِسَابًا شَدِيدًا وَعَذَّبْنَاهَا عَذَابًا نُّكُرًا، فَذَاقَتْ وَبَالَ أَمْرِهَا وَكَانَ عَاقِبَةُ أَمْرِهَا خُسْرًا، أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا فَاتَّقُوا اللَّهَ يَآ أُوْلِي الاَلْبَابِ الذِينَ ءَامَنُوا قَدَ اَنزَلَ اللَّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْرًا}الطلاق:08-09.
ثانيا: وإمَّا أن تكون تأديباً وتحذيرًا لإرجاعِ المؤمنينَ إلى الجادَّةِ وعودتهم إلى الله كما حدث للصحابة رضوان الله عليهم في عهد رسولِ الله صلى الله عليه وسلم- وفي غزوة أحد بالذات- حيث يقول الله تعالى في شأنها:
{أَوَلَمَّآ أَصَابَتْكُمْ مُّصِيبَةٌ قَدَ اَصَبْتُم مِّثْلَيْهَا قُلْتُمُ أَنَّىا هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنفُسِكُمُ إِنَّ اللهَ عَلَىا كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}
آل عمران:165.وقوله:{أَمْ حَسِبْتُمُ أَن تَدْخُلُواْ الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَاتِكُم مَّثَلُ الذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلِكُم مَّسَّتْهُمُ الْبَأْسَآءُ وَالضَّرَّآءُ وَزُلْزِلُواْ حَتَّىا يَقُولُ الرَّسُولُ وَالذِينَ ءَامَنُواْ معَهُ مَتَىا نَصْرُ اللهِ أَلآَ إِنَّ نَصْرَ اللهِ قَرِيبٌ} البقرة:.214
ثالثا:وإمَّا أن تكونَ لحكمةٍ لا يعلمها إلا الله تعالى في تصريفه للأمور،فيحسبها المؤمن أنَّها شرٌّ له،بل هي في قدر الله خير له، وهو القائل:{كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ وَعَسَىآ أَن تَكْرَهُواْ شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَىآ أَن تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ وَاللهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ}البقرة:216.
وقوله:{َلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الاَمْوَالِ وَالانفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ،الذِينَ إِذَآ أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا للهِ وَإنَّآ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ، أُوْلَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبـِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ}
البقرة:155-157
وقوله:{اِنَّ الذِينَ جَآءُواْ بِالاِفْكِ عُصْبَةٌ مِّنكُمْ لاَ تَحْسِبُوهُ شَرًّا لَّكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِّنْهُم مَّا اكْتَسَبَ مِنَ الاِثْمِ وَالذِي تَوَلىَّا كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ}النور:11.
نسأل الله تعالى أن يكونَ ما أصابنا من قبيل الابتلاء والتأديب والتحذير لا من قبيل العقاب.
فلنعلم أيها المؤمنون أننا في دار ابتلاءٍ وامتحانٍ واختبارٍ وتمحيصٍ{أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُّتْرَكُوا أَنْ يَّقُولُوا ءَامَنَّا وَهُمْ لاَ يُفْتَنُونَ، وَلَقَدْ فَتَنَّا الذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ} العنكبوت:02-03وقوله:{مَا كَانَ اللهُ لِيَذَرَ الْمُومِنِينَ عَلَىا مَآ أَنتُمْ عَلَيْهِ حَتَّىا يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّـيِّبِ وَمَا كَانَ اللهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلَكِنَّ اللهَ يَجْتَبِي مِن رُّسُلِهِ مَنْ يَّشَآءُ فَئَامِنُواْ بِاللهِ وَرُسُلِهِ وَإِن تُومِنُواْ وَتَتَّقُواْ فَلَكُمُ أَجْرٌ عَظِيمٌ} آل عمران:179    
لذا أيها الإخوة المؤمنون فإنَّهُ يجب علينا في هذه الظروف العصيبة وفي هذه المحن الأليمة أن نتذرع بالثبات على دين الله وبالصبر والمصابرة والرباط امتثالا لقوله تعالى:{يَآ أَيُّهَا الذِينَ ءَامَنُواْ اصْبِرُواْ وَصَابِرُواْ وَرَابِطُواْ وَاتَّقُواْ اللهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} آل عمران:200.وملاك ذلك كله تقوى الله تبارك وتعالى في السِّرِ والعلنِ والالتزامِ بشرعِ اللهِ والوقوف عند حدوده في سلوكنا ومعاملاتنا وتصرفاتنا وفي أقوالنا وأفعالنا وفي حياتنا كلها.
وفي مقابل ذلك يعدنا الله تبارك وتعالى بقوله:{وَمَنْ يَّـتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا، وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَّتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغٌ اَمْرَهُ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا}الطلاق:2-3، ولنعلم أن سرَّ النجاحِ وأُسَّ الفلاحِ وسببَ الخلاصِ إنَّما يكمنُ في إخلاصِ أعمالِنا للهِ تعالى، وفي توجُّهِنَا لمرضاته وذلك هو روح الدينِ وأساسُهُ كما قال تعالى:{وَمَآ أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَآءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاَةَ وَيُوتُوا الزَّكَاةَ وَذَالِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ}البينة:05، ثم التوكل عليه حقَّ التوكلِ إلى درجة أن نكون ممن قال فيهم:{الذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمُ إِيمَانًا وَقَالُواْ حَسْبُنَا اللهُ وَنِعْمَ الْوَكِيل}آل عمران:173، ولنحذر أيها الإخوة المؤمنون من اليأس والقنوط وعدم الرضا بقضاء الله وقدّره ولتكن ثقتنا في الله كبيرة، ورجاؤنا فيه قوي وأملنا في رحمته ولطفه عظيم.
فما بال البعض منَّا يعلِّق معظم آمالِهِ ورجائِهِ بغير الله للخروج من هذه المحنة،ناسيًا الله تعالى وهو وحده المجيب دعاءَ المضطرِ والكاشِفِ للمحنِ والضُّرِّ{الذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمُ إِيمَانًا وَقَالُواْ حَسْبُنَا اللهُ وَنِعْمَ الْوَكِيل}النمل:62.
وما بال بعضنا يستحوذ عليه اليأسُ والقنوطُ حيث يجعَلُهُ يدور في فلك المصيبة لا يبرح منها،والله تعالى ينهانا عن ذلك قائلا:{وَلاَ تَايْئَسُوا مِن رَّوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لاَ يَايْئَسُ مِن رَّوْحِ اللَّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ} يوسف: 87، {قَالَ وَمَنْ يـَّقْنَطُ مِن رَّحْمَةِ رَبـِّهِ إِلاَّ الضَّآلـُّونَ}الحجر:56، فعلينا أيها المؤمنون أن نجعلَ القرآن العظيم رائدَنَا في هذه الحياة لنحقِّقَ بذلك سعادتَنَا في الدنيا والآخرة.
ولنَنْهض عباد الله للعمل الجادِّ والإصلاح وإعمار البلاد ابتغاءً للأجرِ والثوابِ على غرار ما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم.  يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم:{إِنْ قَامَتْ السَّاعَة وَبِيَدِ أَحَدِكُم ْفَسِيلَةٌ فَإِنْ اسْتَطَاعَ أَنْ لَا يَقُوم َحَتَّى يَغْرِسَهَا فَلْيَفْعَلْ}.
عباد الله:وإنَّ من أهمِّ أسبابِ ما أصابنا هو تخلِّينا عن أعظم ركن من أركان الدين وواجبٍ من واجباته، ذلكم أيها الإخوة المؤمنون هو واجبُ الأمرِ بالمعروفِ والنهي عن المنكر وقولِ الحقِ ونصرتِهِ والوقوفِ أمامَ الظالِمِ والضرب على يديه، دون أن تأخذنا في الله لومَةُ لائِمٍ، وِفْقًا لتوجيهاتِ رسول الله صلى الله عليه وسلم القائل:{ِنَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَمَّا وَقَعَ فِيهِمْ النَّقْصُ كَانَ الرَّجُلُ فِيهِمْ يَرَى أَخَاهُ عَلَى الذَّنْب ِفَيَنْهَاهُ عَنْهُ فَإِذَا كَانَ الْغَدُ لَمْ يَمْنَعْهُ مَا رَأَى مِنْهُ أَن ْيَكُونَ أَكِيلَهُ وشَرِيبَهُ وَخَلِيطَهُ فَضَرَبَ اللَّهُ قُلُوبَ بَعْضِهِمْ بِبَعْضٍ وَنَزَلَ فِيهِمْ الْقُرْآنُ فَقَالَ:{ لُعِنَ الَّذِين كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه لبيس ما يفعلون. قَالَ وَكَانَ نَبِيُّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُتَّكِئً ا فَجَلَسَ فَقَالَ لَا حَتَّى تَأْخُذُوا عَلَى يَدِ الظَّالِمِ فَتَأْطُرُوهُ عَلَى الْحَقِّ أَطْرًا}أي تلزموه على الحق.
وفي حديث آخر يقول:{لَتَأْمُرُنَّبِالْمَعْرُوفِ،وَلَتَنْهَوُنَّعَنِالْمُنْكَرِ،أَوْلَيُسَلِّطَنَّاللَّهُعَلَيْكُمْشِرَارَكُمْ،ثُمَّيَدْعُوخِيَارُكُمْفَلايُسْتَجَابُلَكُمْ}.
فكيف نعافَى من البلايا والمنكر متفشٍ في مجتمعنا بشكل لم يسبق له مثيل كشرب الخمر والدخان وتعاطي المخدرات وأعظم من ذلك سب الخالق والتفَنُّنِ في ذلك وسبّ الدين، وترك الصلاة والتعدي على حدود الله في المعاملات كأكل الربا والتعديعلى حقوق اليتامى والأرامل والقصَّر والضعفاء في قسمة التركات ناهيكعن عقوق الوالدين،وما يقع من تعدٍّ لحدود الله في الطلاق وواجب النفقاتِوإهمال الأولاد وترك تربيتهم للشارع وقرناء السوء ووسائل الإعلام،وكذلك النزاعُ بين الإخوة الأشقاء وقطيعة الرحم،وظلم الجيران وتغييرِ الحدودِوتزويرِ العقودِ،
واعلموا رحمكم الله أنَّ المعاصي سببٌ لزوالِ النِّعمِوحلولِ النِّقَمِ،وإنَّ الكسبَ الحرامِ مانِعٌ لإجابةِ الدعاءِ{ثُمَّذَكَرَالرَّجُلَيُطِيلُالسَّفَرَأَشْعَثَأَغْبَرَيَمُدُّيَدَيْهِإِلَىالسَّمَاءِيَارَبِّيَارَبِّوَمَطْعَمُهُحَرَامٌوَمَشْرَبُهُحَرَامٌوَمَلْبَسُهُحَرَامٌوَغُذِيَبِالْحَرَامِفَأَنَّىيُسْتَجَابُلِذَلِكَ..}.فلنتخذ للنجاة أسبابها الحقيقية كما قال الحكيم:
ترجو النجاة ولم تسلك مسالكها..إن السفينة لا تجري على اليبسِ
ولنمتثل قوله تعالى:{وَتُوبُواْ إِلىَ اللهِ جَمِيعًا اَيُّهَا الْمُومِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ}النور:31 ولنعمل على الوقوف صفا واحدا لإزالة هذه المنكرات ولنترك الخلافاتِ فيما بينَنَا لمواجهة التحدياتِ ولنعلم أنَّنَاإذا لم نتحدْ في هذه الظروف لا نتحدُ أبدا ولنجعل نصب أعيننا قوله تعالى:{يَآ أَيـُّهَا الذِينَ ءَامَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ}الأنفال:45،ولنأمر بالمعروف ولننهى عن المنكر ليتحقق فينا وعد الله بالنصر والتمكين {وَلَيَنصُرَنَّ اللهُ مَن يَّنصُرُهُ إِنَّ اللهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ}الحج:40،ولنعلم أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مسئولية الجميع من أفراد وجماعات وهيئات.
وإنه مما اشترطه الله علينا للتمكين في الأرض وتبديل خوفنا بالأمن هو طاعة اللهِ ورسولهِ وأولي الأمرِوالاعتصامِبحبل اللهِوالنصحِلأئمة المسلمين وعامَّتِهم،ولا يكون ذلك إلا بالالتفاف حول مؤسساتنا وهيئاتنا العرفية التي حبانا الله بها، والتي كانت ولاتزال هي السِّرُّ في بقاء مجتمعنا صامدا طيلة قرون من الزمن، وحافظت على قيمه رغمالتحديات والنَّكبات التي مرَّتْ به، وهي إرثٌإسلاميٌّحضاريٌّ كلنَا مسئولونَ على بقائه واستمراره وتبليغه للأجيال القادمة،فكلُّ فردٍ مطالبٌ أنْ يعملَ من أجلِ تحقيقِ الوحدةِبالمحافظة على هذه الهيئات،وليحذر أحدنا أن يكون معول هدمٍ لها بقصدٍأو بغيرِقصدٍ، ولنخطِّطْ لمستقبلنا لأنَّ منْ لم يخطط كان ضمن مخططاتِ الآخرينَ،ولنتعاون جميعا أيها المؤمنون على البرِّ والتقوى وفعلِ الخيرِ ونشرِ الفضيلةِولا نتعاون على الإثم والعدوان ولنقمْ بالدعوة إلى دين الله بسلوكنا وأعمالنا قبل أقوالنا وخطاباتنا.
أيها الإخوة المؤمنون اعلموا أنَّ الله قد ألقىعلينا مسئولية عظيمة تتمثل في تربية النشء وتكوين الشبابلما تمثله هذه الشريحة من قوة في الإصلاح والتغيير.
 ولنعلم أيها الإخوة أن الشبابَهو أملُ هذه الأمة وعمدةُ مستقْبَلِهَا،ولذا فإننا نوجِّه خطابنا لهذه الشريحة قائلين لهماستقيمواأيَّها الشبابُعلى طريقِ الله ووطِّنوا أنفسكم على الثبات على مبادئ الدين وعلى الالتزام بشرع الله والوقوف عند حدوده والاشتغال بمعالي الأمور ودعوا سفسافها،وإن من سفسافها المتابعة المفرطة لنتائج المسابقات الرياضية وغيرها مما يشغلكم عن المهامِّ الكبرى التي خلقتم من أجلها، وإن منها ترويج الإشاعات، وعدم الإكثار من اللوم والعتاب والتأفف على ما تجدونه من نقائص وسلبيات، فإنكم لم تصابوا بمثل ما أصاب آبائكم وأجدادكم من البأساء والضراء وشظف العيش، فرغم ذلك لم يستسملواولم ييأسوا فأسسوا حضارة شهد لها القاصي والداني.
أيها الشباب إن السؤدُدَ والرقَيَّ لن يكون إلا بالعلم والعمل وحسن الخلق ومجاهدة النفس وحملها على ما تكره،وتحديد الأهداف وحسن التخطيط.
أيها الناس عودوا إلى ربكم وثوبوا إليه وارجعوا إليه واجأروا إليه، فإنه لاملجأ لنا منه إلا إليه وهو القاهر فوق عباده وهو الحكيم الخبير.
أيها المؤمنون لنجعل عزائنا في مصيبتنا ما حلَّ بإخواننا المسلمين بغزة وسورية وسائر بلاد الإسلامالمنكوبة حيث القتل والخراب والدمار ومئات القتلى والضحايا والثكالى واليتامى والمشرَّدين، وإن ذلك من قبيل ما أصاب المسلمين من جراء ما يبثه أعداء الله من إحياء خلافات قديمةوبعث العصبية من جديدمع استجابة المسلمين لها.
اللهم اكشف عنا وعنهم الضر والبلاء، اللهم قنا الفتن ما ظهر وما بطن اللهم ارفع عنا الغلاء والبلاء والوباء والربا والزنا والفواحش ما ظهر منها وما بطن،اللهم دماء المسلمين في كل مكان،اللهم أبرم لهذه الأمة أمرا رشدايعيد لها عزتها ويمكن لها في الأرض،اللَّهُمَّاقْسِمْلَنَامِنْخَشْيَتِكَمَايَحُولُبَيْنَنَاوَبَيْنَمَعَاصِيكَوَمِنْطَاعَتِكَمَاتُبَلِّغُنَابِهِجَنَّتَكَوَمِنْالْيَقِينِمَاتُهَوِّنُبِهِعَلَيْنَامُصِيبَاتِالدُّنْيَاوَمَتِّعْنَابِأَسْمَاعِنَاوَأَبْصَارِنَاوَقُوَّتِنَامَاأَحْيَيْتَنَاوَاجْعَلْهُالْوَارِثَمِنَّاوَاجْعَلْثَأْرَنَاعَلَىمَنْظَلَمَنَاوَانْصُرْنَاعَلَىمَنْعَادَانَاوَلَاتَجْعَلْمُصِيبَتَنَافِيدِينِنَاوَلَاتَجْعَلْالدُّنْيَاأَكْبَرَهَمِّنَاوَلَامَبْلَغَعِلْمِنَاوَلَاتُسَلِّطْعَلَيْنَامَنْلَايَرْحَمُنَا اللهم اغفر لنا أجمعين وارحمنا وارضا عنا،اللهم أصلح ذات بيننا وتوفنا مسلمين واجعلنا إخوانا على سرر متقابلين،عباد الله إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون.............................والحمد لله رب العالمين.

أكتب تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *