الله أكبر الله أكبر، لا إله إلاّ الله، الله أكبر ولله الحمد، الله أكبر كبيرا، والحمد لله كثيرا، وسبحان الله بكرة وأصيلا، ولا حول ولا قوة إلا بالله العليّ العظيم، الحمد لله الّذي هدانا لهذا وما كنّا لنهتدي لولا أن هدانا الله، الحمد لله حمد الشّاكرين لنعمه، المقرّين بوحدانيّته وعظمته وتفرّده، الّذي أسبغ علينا نعمه ظاهرة وباطنة، فاللّهمّ لك الحمد والشّكر، نسألك المزيد على الدّوام ما دامت السّماوات والأرض، وقد قلت وقولك الحقّ "لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنـَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمُ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ(7)".
ونشهد أنّ الحبيب المصطفى، سيّدنا وحبيبنا محمّد صلى الله عليه وسلم عبده ورسوله، نشهد أنّه أدّى الأمانة، ونصح الأمّة، وكشف الغمّة، وجاهد في الله حقّ جهاده حتّى أتاه اليقين، فاللهمّ صلّ وسلّم عليه تسليما كثيرا، وعلى آله وصحبه ومن تبعه بإحسان إلى يوم الدّين، وبعد:
أيّها المؤمنون: إنّنا اليوم في يوم عظيم يوم الحجّ الأكبر، يوم النّحر، فيه يفيض حجّاج بيت الله الحرام من مزدلفة لرمي الجمرة الكبرى، بعد أن قضوا اليوم التّاسع إلى غروب شمسه في عرفاتٍ؛ مبتهلين خاشعين متضرّعين لله الواحد الأحد، في هذا اليوم المبارك ينحر الحاجّ هديه ويحلّق، فيتحلّل التّحلّل الأصغر، ويبقى في منى أيّام التّشريق لرمي الجمرة الصغرى والوسطى والكبرى، ويُباح للحاجّ في هذه الأيّام الخروج منها على أن يبيت فيها، ويطوف بالبيت طواف الإفاضة ويسعى بين الصفا والمروة، فبذلك يكون الحاجّ قد أتى بالرّكن الخامس من أركان الإسلام على تمامه، نسأل الله تعالى لحجّاجنا حجّا مبرورا وذنبا مغفورا وسعيا مشكورا وتجارة لن تبور، ونسأله لمن نوى الحجّ العام المقبل بالاستجابة، وقد تكلّم القرآن الكريم عن هذا الرّكن العظيم في سورة البقرة من قوله تعالى: "وَأَتِمُّواْ الْحَجَّ وَالعُمْرَةَ للهِ فَإِنُ احْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ..." إلى قوله تعالى: " وَاذْكُرُواْ اللهَ فيِ أَيَّامٍ مَّعْدُودَاتٍ فَمَن تَعَجَّلَ فيِ يَوْمَيْنِ فَلآَ إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَن تَأَخَّرَ فَلآَ إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَىا وَاتَّقُواْ اللهَ وَاعْلَمُواْ أنَّكُمُ~ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ(203)".
عباد الله: إنّ من أعظم العبر والمواعظ الّتي نستخلصها من هذا الرّكن العظيم، تلكم الآية الّتي يُجسّدها الله تعالى من خلال هذه الأفواج الهائلة من المسلمين، الّتي تقصد البقاع المقدّسة لأداء مناسك الحجّ، وتزداد كلّ عام، من جميع الألوان والأجناس واللّغات، ومن مختلف المناصب: الحاكم والمحكوم، الرّئيس والمرؤوس، المدير والعامل، الكبير والصّغير، الرّجال والنّساء، في ذلكم المكان تنتفي جميع الفوارق الدّنيويّة، يجتمعون في مكان واحد على صعيد واحد، يلبسون ثيابا واحدا، متوجّهين إلى إله واحد، أملهم الوحيد غفران الذّنوب والقبول، "وَإِذْ بَوَّأْنَا لإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَن لاَّ تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ للطَّآئِفِينَ وَالْقَآئِمِينَ والرُّكَّعِ السُّجُودِ(26) وَأَذِّن فيِ النَّاسِ بِالْحَجِّ يَاتُوكَ رِجَالاً وَعَلَىا كُلِّ ضَامِرٍ يَاتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ(27) لِيَشْهَدُواْ مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُواْ اسْمَ اللهِ فيِ أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ عَلَىا مَا رَزَقَهُمْ مِّنم بَهِيمَةِ الاَنْعَامِ"، نعم، إنّها لآية عظيمة للبشريّة جمعاء بالتّصريح القرآني، تُذكّرنا بحقيقة الإنسان ونهايته ورحلته إلى الدّار الآخرة، "وَمِنَ ــ ايَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالاَرْضِ وَاخْتِلاَفُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمُ إِنَّ فِي ذَالِكَ لآَيَاتٍ لِّلْعَالَمِينَ(22)".
أيّها المؤمنون: إنّنا بشرٌ فقراء إلى الله، محتاجون إلى رعايته أينما كنّا وارتحلنا، فهو الموفّق والحافظ والمعطي، الجواد الكريم، لا ربّ سواه، فلنعد إليه –إخوة الإيمان- خاشعين مخلصين له الدّين غير مشركين به، فهو الواحد الأحد الفرد الصّمد، "قُلِ اِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَآيْ وَمَمَاتِيَ للَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ(162) لاَ شَرِيكَ لَهُ وَبِذَالِكَ أُمِرْتُ وَأَنَآ أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ(163)"، "اِنَّ اللَّهَ لاَ يَغْفِرُ أَنْ يُّشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَالِكَ لِمَنْ يَّشَآءُ وَمَنْ يُّشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَىآ إِثْمًا عَظِيمًا(48)"، "وَمَآ أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَآءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاَةَ وَيُوتُوا الزَّكَاةَ وَذَالِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ(5)".
أيّها المحتفون بعيد الأضحى المبارك: إنّ ممّا يُجسّد معنى التّوحيد والإخلاص لله تعالى والاستسلام لأمره في مناسبة عيد الأضحى المبارك، تلكم الأضاحي الّتي نضحّي بها تقرّبا إلى الله تعالى، قال تعالى: "لَنْ يَّنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلاَ دِمَآؤُهَا وَلَكِنْ يَّنَالُهُ التَّقْوَىا مِنكُمْ كَذَالِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبِّرُواْ اللَّهَ عَلَىا مَا هَدَاكُمْ وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ(37)"، نتقرّب بها إلى الله تعالى اقتداءً بأبينا إبراهيم، والّتي أبدله الله بها ابنَه إسماعيل -عليهما السّلام-، هديّة وجائزة منه تعالى لنجاحهما في الاختبار العسير، أبٌ يُبتلى بذبح ابنه، فاستجابا مسلّمَيْن لأمر الله تعالى، فكانت الجائزة تشريعا للمسلمين في مثل هذا اليوم المبارك من كلّ عام إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، قال تعالى: "فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَابُنَيَّ إِنِّيَ أَرَىا فِي الْمَنَامِ أَنـِّيَ أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَىا قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُومَرُ سَتَجِدُنِيَ إِن شَآءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ(102) فَلَمَّآ أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ(103) وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَّا إِبْرَاهِيمُ(104) قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَآ إِنَّا كَذَالِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ(105) إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلآَؤُ الْمُبِينُ(106) وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ(107) وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الاَخِرِينَ(108) سَلاَمٌ عَلَىآ إِبْرَاهِيمَ(109) كَذَالِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ(110) إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُومِنِينَ(111)"، نعم إنّه نبيّنا إبراهيم -عليه السّلام-، مدحه الله تعالى في كثير من الآيات القرآنيّة لقوّة توحيده لله وإخلاص العبوديّة له، آياتٌ تتلوها الأجيال المسلمة طوال المكان والزّمان، من هذه الآيات قوله تعالى: "إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِّـلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ(120)"، وقوله تعالى: "مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلاَ نَصْرَانِيًّا وَلَكِن كَانَ حَنِيفًا مُّسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ(67)"، وقد قصّ الله تعالى علينا قصّة تأمّله في الكون وكيفية اهتدائه إلى ربّه؛ لنعتبر ونتّعظ فتحصل الهداية الإلهيّة والرّحمة مصداقا لقوله تعالى: "لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لأُوْلِي الاَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَىا وَلَكِن تَصْدِيقَ الذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُومِنُونَ(111)".
إخوة الإيمان: إنّ من أخطر المعاصي الّتي يسقط فيها المسلم الشّرك بالله سُبحانه وتعالى، وهو يتنافى مع التّوحيد والإخلاص له، ويُبطلُ الأعمال الصّالحة، فلنحذر كلّ الحذر منه، ولنجدّد النيّة والعزم من حين لآخر في أدائنا لعباداتنا وواجباتنا الشّرعيّة، ولنعد إلى الله تعالى مباشرة في دعواتنا وخلواتنا، وما يُقدّره لنا من مصائب ومشاكل يبتلينا بها، وهو القائل: "وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإنِّي قَرِيبٌ اُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِي إِذَا دَعَانِي فَلْيَسْتِجِيبُواْ لِي وَلْيُومِنُواْ بِيَ لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ(186)"، ويقول الرّسول المصطفى صلى الله عليه وسلم، (إنّما الأعمال بالنيّات وإنما لكلّ امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته لدنيا يُصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه).
أيها المؤمنون: جميلٌ في مثل هذه المناسبات السّعيدة أن نذكّر أنفسنا بما ينفعنا في دنيانا وأخرانا ممّا يشغل بالنا وبال الكثيرين ممّا يهمّ مجتمعنا والأمّة الإسلاميّة؛ أخذا بقوله تعالى: "وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَىا تَنفَعُ الْمُومِنِينَ(55)".
إنّ المتأمّل في حال المسلمين اليوم يجدهم يعيشون فتنا وويلات وتقلّبات وحروبا تزيدهم ضعفا وذلاّ ومهانة وتخلّفا في جميع المستويات، كلّ هذا –أيّها الإخوة- بما كسبت أيديهم، وبُعدهم عن تعاليم الشّرع الحنيف، فالله تعالى لم يكن ليظلم النّاس، ولكن النّاس أنفسهم يظلمون، فهو العدل الرّؤوف الغفور الرّحيم، شديد العقاب لمن جحد وعاند واستكبر، قال تعالى: "اِعْلَمُواْ أَنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ وَأَنَّ اللهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ(98)".
إنّ الله تعالى قد جعل حقائق وقوانين سُنَنيَّةٍ تحكم الجماعات والمجتمعات، بيّنها في كتابه العزيز، الّذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، تنزيل من حكيم حميد، تلك الحقائق والقوانين الربّانيّة عند التّأمّل فيها بقلوب خاشعة وعقول واعية ندرك تماما أنّ ما يُصيبنا من فِتنٍ: هو نتيجة حتميّةٌ لما اكتسبته أيدينا من ظلمٍ وغفلةٍ وكفرٍ للنّعم، وتعدٍّ للحرمات وحدود الله تعالى، هذه الحقائق والقوانين تتمثّل فيما يلي:
1- قال تعالى: "وَمَا كَانَ رَبـُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَىا بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ(117)".
2- قال تعالى: "إِنَّ اللَّهَ لاَ يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْـئًا وَلَكِنَّ النَّاسَ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ(44)".
3- قال تعالى: "وَمَآ أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةِم بِمَا كَسَبَتَ اَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ(30) وَمَآ أَنتُم بِمُعْجِزِينَ فِي الاَرْضِ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ اللَّهِ مِنْ وَّلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ(31)".
4- قال تعالى: "وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً قَرْيـَةً كَانَتَ ـ امِنَةً مُّطْمَئِنَّةً يَاتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِّن كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ(112)".
5- قال تعالى: "وَلَوَ اَنَّ أَهْلَ الْقُرَىآ ءَامَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَآءِ وَالاَرْضِ وَلَكِن كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُم بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ(96)".
6- قال تعالى: "تِلْكَ حُدُودُ اللهِ فَلاَ تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَّتَعَدَّ حُدُودَ اللهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ(229)".
إنّ هذه الحقائق القرآنيّة تشير إلى أنّ الفتن والمحن علاقتها عكسيّةٌ مع بُعدنا أو قربنا من شرع الله تعالى، فكلما كان المجتمع مستمسكا بحبل الله وقوّته، يستمدّ منه علاقاته وخططه وبرنامجه والتخطيط لمستقبله كانت الفتن أبعد، وكلّما كان أبعد عن شرع الله تعالى وتعاليمه، كانت الفتن أقرب، فلنتّق الله تعالى -إخوة الإيمان- في هذا المجتمع، وليتحمّل كلٌّ منّا مسؤوليّته أمام الله والمجتمع والتّاريخ؛ لأنّنا سائلون عنها غدا يوم القيامة عند لقاء ربّنا، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: (كُلُّكُمْ رَاعٍ وَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، فَالْإِمَامُ رَاعٍ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالرَّجُلُ فِي أَهْلِهِ رَاعٍ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالْمَرْأَةُ فِي بَيْتِ زَوْجِهَا رَاعِيَةٌ وَهِيَ مَسْئُولَةٌ عَنْ رَعِيَّتِهَا، وَالْخَادِمُ فِي مَالِ سَيِّدِهِ رَاعٍ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ) صدق رسول الله، فكلٌّ منّا مسؤول في حدود مسؤوليّته، وعلى رأس هذه المسؤوليّات؛ مسؤوليّتان:
الأولى: على المستوى الفردي: وهي مسؤوليّة الأب، وما أدراك ما الأب، فإليه ترجع القوامة الشّرعيّة، فإن هو قام بها أحسن قيام، فطوبى له، وإن أهملها ولم يُؤدّها حقّها فذاك هو الخسران المبين لقوله تعالى: "يَآ أَيـُّهَا الذِينَ ءَامَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلآَئِكَةٌ غِلاَظٌ شِدَادٌ لاَ يَعْصُونَ اللَّهَ مَآ أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُومَرُونَ(6)"، وقال أيضا: "وَالذِينَ ءَامَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيـَّتُهُم بِإِيمَانٍ اَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيـَّاتِهِمْ وَمَآ أَلَتْنَاهُم مِّنْ عَمَلِهِم مِّن شَيْءٍ كُلُّ امْرِئِم بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ(21)".
الثانية: على المستوى المجتمعي: وهي مسؤولية الحاكم أو النّائب أو المسؤول الإداري، فهو الّذي يرعى شؤون ومصالح النّاس، ولأجل ذلك هي مسؤوليّة عظيمة قبل أن تكون منصبا وشرفا؛ لأنّها تتعلّق بحقوق الآخرين، فطوبى لمن قام بها أحسن قيامٍ، واتّخذها سبيلا لرضا الله تعالى، وويلٌ لمن خذلها ولم يرعها حقّ الرّعاية، فهي خزيٌ وندامةٌ يوم القيامة كما قال الرّسول (ص) لأبي ذرّ الغفاري لمّا طلب منه الإمارة، عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ: قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ: أَلَا تَسْتَعْمِلُنِي، قَالَ: فَضَرَبَ بِيَدِهِ عَلَى مَنْكِبِي ثُمَّ قَالَ: (يَا أَبَا ذَرٍّ إِنَّكَ ضَعِيفٌ، وَإِنَّهَا أَمَانَةٌ، وَإِنَّهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ خِزْيٌ وَنَدَامَةٌ؛ إِلَّا مَنْ أَخَذَهَا بِحَقِّهَا وَأَدَّى الَّذِي عَلَيْهِ فِيهَا)، ورُوي عن رسول الله (ص) أنّه قال: (أهل الجنّة ثلاثةٌ: ذو سلطانٍ مقسِطٌ مُتصدِّقٌ موَفَّقٌ، ورجلٌ رحيمٌ رقيق القلب لكلّ ذي قُربى ومسلم، وعفيفٌ مُتعفّفٌ ذو عيالٍ) رواه مسلم، فكن أيّها المسؤول مقسطا رحيما بالخلق تكن من أصحاب الجنّة.
أيّها الشّباب المسلم: إنّ مسؤوليتكم عظيمةٌ أمام الله والمجتمع والتاريخ، فأنتم عصبُ المجتمع وقوّتُه الفاعلة، ينتظر منكم مواصلة المسيرة، مسيرة البناء والتشييد، مسيرة الأجداد الّذي بذلوا النفس والنفيس لننعم بهذا المجتمع الطّاهر، المجتمع الّذي يجعل مبادئ الدّين فوق كلّ اعتبار، فبها ساد واستمرّ، فإن ارتضينا بغيرها طريقا ومبدأ ومنهجا في الحياة، فذاك بداية الزّوال والسقوط والانحلال، فاغتنموا هذه المرحلة من أعماركم بما ينفعكم في دنياكم وأخراكم، ولا تضيّعوها في سفاسف الأمور وقشورها، واعلموا أنّ أخطر شيء في هذه المرحلة الفراغ، وما أدراك ما الفراغ، هو آفةٌ تصيب الإنسان عموما والشّباب خصوصا، فهو السّبب الرّئيس للانحراف والفساد، والضّجر والقلق والاكتئاب، وقد صدق الشّاعر حين قال:
إِنَّ الشَّبَابَ والفَرَاغَ والْجِدَهْ ... مَفْسَدَةٌ لِلْمَرْءِ أيُّ مَفْسَدَهْ
إخواني الشّباب: إنّ الفراغ الّذي يُعاني منه بعض شبابنا نابع من ذاتهم، من مستوى تفكيرهم وعلاقاتهم بأقرانهم واهتماماتهم؛ فهذا الصّنف من الشّباب تجده منحطَّ الاهتمامات، ضعيف المبادئ إن لم تكن منعدمة فيه، يتأثّر بالواقع والمحيط وينبهر به، يلهث وراء كلّ موضة تطلّ علينا من وراء البحار، بينما الشابّ المسلم على العكس من ذلك، تجده يعتزّ بدينه وبتعاليمه؛ لأنّها تعاليم ربّانيّة سامية، يحمل رسالة واضحة، له هدف نبيل يسعى لتحقيقه، يُسخّر له جميع طاقاته وقوّته العقليّة والجسميّة، يحمل همّ مجتمعه وأمّته، يعيش عصره ضمن دائرة الحريّة الشّخصيّة في الإسلام، يأخذ من الآخر ما يرفع من شأنه ويزيده مكانة ورهبة ومهابة، وليس كما يعتقد البعض منهم؛ لتكون مسايرا للعصر يجب أن تنسلخ من مبادئ دينك وهويّتك وثقافتك، وتقلّد الغربَ في كلّ شاردة وواردة؛ فتخرج للنّاس تستعرض قوّتك في تسريحة شعرك أو شكل هندامك أو طريقة مشيك أو قيادتك لمركوبك؛ تظلم النّاس من حيث لا تدري، تقدّم صورةً خاطئةً عن الشّاب المنتسب إلى الإسلام؛ بينما الأصل أن تكون قدوة لغيرك تُؤثّر فيهم لا تتأثّر بهم، تسمو بأخلاقك العالية، وتفكيرك الرّاقي، تعتزّ بانتمائك إلى أعظم دين في الوجود، شعارُك في الحياة قول الله تعالى: "وَلاَ يُحْزِنكَ قَوْلُهُمُ إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ(65)"، أسوتك وقدوتك الرّسول (ص) الّذي قال عن نفسه: (إنّما بُعثتُ لأتمّم مكارم الأخلاق).
أخي الشّاب: اعلم أنّ الحياة دقائق وثوان، فاغتنمها بالعمل والجدّ والاجتهاد وتحدّي الصّعوبات مع تحرّي الحلال، فهو السبيل إلى صلاحِ الأهل والأولاد واستجابةِ الدّعاء، وتحقيقِ السّعادة والهناء، ولا تكن عالة على غيرك وإخوانك ومجتمعك، بل كن عنصرا إيجابيّا تساهم في نشر الخير والفضيلة، تحارب جميع أشكال الشرّ والظّلم والفساد، تترك بصمة ناصعة في مجتمعك وأمّتك، استغل كلّ فرصة تتاح لك قبل أن يُباغتك هادم اللّذّات، فكم من شابّ عرفناه قويّا يافعا، لهُ أملٌ في الحياة، اقتضت حكمة الله تعالى أن يخرج منها إلى دار الخلود في عمر العطاء والبذل، ولن ينفعه هناك إلاّ ما قدّم، فاعلم أنّ الحياة الدّنيا متاع الغرور.
تأَخَّرْتُ أستبْقي الحياةَ فلم أجدْ ... حَيَاةً لِنفْسي مثلَ أن أتقدَّمَا
ويقول آخر:
لعمرُك ما بالموتِ عارٌ على الفتَى ... إذا لم تصبهُ في الحياةِ المعايِرُ
ويقول المصطفى صلى الله عليه وسلم: « اغتنم خمسا قبل خمس : شبابك قبل هرمك، وصحتك قبل سقمك، وغناءك قبل فقرك، وفراغك قبل شغلك، وحياتك قبل موتك ».
"وَاتَّقُواْ يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلىَ اللهِ ثُمَّ تُوَفَّىا كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ(281)".
اللّهمّ إنّا نسألك في هذه اللّحظة المباركة أن تُلهمنا مراشد أمورنا، وتُسدّد خطانا إلى ما تُحبّه وترضاه، وتُفرّج عن المسلمين همومهم، وترفع عنهم الفتن ما ظهر منها وما بطن، وتنصرهم في كلّ مسلك وسبيل، اللّهمّ قِنَا شرّ أنفسنا وشرّ القوم الظّالمين، اللّهمّ مكّن لدينك في أرضك واجعلنا سببا للتّمكين، إنّك على كلّ شيء قديرٌ وبالإجابة جديرٌ، إنّك نعم المولى ونعم النّصير.
ولا يفوتني في هذا المقام أن أقدّم تهانيّ الحارّة لجميع المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها بمناسبة عيد الأضحى المبارك، وأقول لهم عيدكم مبارك وكلّ عام وأنتم بخير، أعاده الله علينا وعلى الأمّة الإسلاميّة بالأمن والأمان والبركات، وآخر دعوانا أن الحمد لله ربّ العالمين.