إن الحمد لله نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأ شهد أن محمداً عبدُه و رسولُه. (يَاأَيها الذين آ مَنُوا اتقُوا اللهَ حَق تُقَا ته ولا تموتن إلا وأنتم مُسلمُون). (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَتَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً). (يَا أيها الذين آ منوا اتقوا الله وقولوا قَو لاً سَديداً يُصلح لَكُم أَ عما لكم وَ يَغفر لَكُم ذُ نُو بَكُم وَ مَن يُطع الله وَ رَسُولَهُ فَقَد فَازَ فَوزاً عَظيماً)
وبعد؛ أيها الإخوة المؤمنون إن في سيرة النبي الكريم دروس وعبر، ولقد مرت علينا ذكرى من أعظم أيام الله في الإسلام وهي الهجرة النبوية الشريفة من مكة المكرمة إلى المدينة المنورة التي كانت انطلاقة جديدة لبناء دولة الإسلام, وإعزازاً لدين الله تعالى, وفاتحة خير ونصر وبركة على الإسلام والمسلمين ويوم عاشوراء الذي سن رسول الله صلى الله عليه وسلم صيامه حيث نجى الله نبيه موسى عليه السلام وأهلك فرعون وملأه.
فمن أعظم هذه الدروس أيها الأحبة اتخاذ جميع الأسباب المادية والمعنوية وأولها اليقين في الله تعالى والتوكل عليه، ونجد هذا عندما خاف أبوبكر على رسول الله صلى الله عليه وسلم من أذى قريش, وقال لرسول الله:" لَوْ أَنَّ أَحَدَهُمْ يَنْظُرُ إِلَى قَدَمَيْهِ لأَبْصَرَنَا تَحْتَ قَدَمَيْهِ " فقال الرسول صلى الله عليه وسلم في ثبات المؤمن ويقينه بربه : \" يَا أَبَا بَكْرٍ ، مَا ظَنُّكَ بِاثْنَيْنِ اللهُ ثَالِثُهُمَا.
فأنزل الله تعالى: (إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (40)سورة التوبة.
فاليقين في معية الله تعالى والتوكل عليه أساس كل انتصار وفلاح (وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا...)
كما لم يهمل رسول الله صلى الله عليه وسلم الأسباب المادية الأخرى بل إنه أعد خطة محكمة ثم قام بتنفيذها بكل سرية وإتقان. فاتخذ مساعدا في رحلته وهو أبو بكر الصديق، وعلي بن أبي طالب مموها وفدائي، و أسماء بنت الصديق في التموين بالزاد، عبد الله بن الصديق في الاستخبارات عن العدو، ودليل الرحلة هو عبد الله بن أريقط، والمكان المؤقت: غار ثور، وموعد الانطلاق: بعد ثلاثة أيام، وخط السير: الطريق الساحلي. وهذا كله شاهد على عبقريته وحكمته صلى الله عليه وسلم، وفيه دعوة للأمة إلى أن تحذو حذوه في حسن التخطيط والتدبير وإتقان العمل واتخاذ أفضل الأسباب مع الاعتماد على الله مسبب الأسباب أولاً وأخرا.
ومن العبر التي ما أحوجنا إليها هي أداء الأمانة إلى أهلها ولو كان كافرا، في أمر الرسول صلى الله عليه وسلم لعلي رضي الله عنه بتأدية الأمانات لأصحابها في مكة، رغم الظروف الشديدة فإن الرسول صلى الله عليه وسلم ما كان لينسى أو ينشغل عن رد الأمانات إلى أهلها.
وتعلمنا الهجرة وعاشوراء أيها المؤمنون أن الظلم لا بد أن يزول وأن المظلوم منتصر ما دام على مبدأه ثابتا والحق منتصر والباطل زاهق.
وتعلمنا الهجرة أن الدين يقوم بالتضحية واجتماع الجهود فلقد ترك الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه ديارهم وأموالهم ومسقط رأسهم في سبيل هذا الدين كما قاسم الأنصار أموالهم وديارهم مع المهاجرين فأثنى الله تعالى عليهم بقوله (لِلْفُقَرَاء الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً وَيَنصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ الحشر 8-9
وتعلمنا الهجرة أن الدين يقوم على المحبة والأخوة ونبذ الشقاق ويظهر ذلك في أول عمل قام به رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما آخ بين المهاجرين والأنصار وبين الأوس والخزرج ليكونوا قوة على أعدائهم.
عباد الله هذا قليل من كثير ولا يمكن أن نحصي دروس سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه ولكنها تذكرة لمن كان له قلب أو الق السمع وهو شهيد
عباد الله نسأل الله أن ينفعنا بهدي القرآن وسيرة نبيه صلى الله عليه وسلم
فاللهم يا مُقَلِّبَ الْقُلُوبِ ثَبِّتْ قَلوبنا عَلَى دِينِك ويا مصرف القلوب صرف قلوبنا إلى طاعتك.
(إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً)
الخطبة الثانية:
الحمد لله جعل الليل والنهار خلفة لمن أراد أن يذكر أو اراد شكورا ونصل على سيد الخلق محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه الذين هجروا الأوطان نصرة للدين وتمكينا للحق.
عباد الله هذه هجرة سيد الخلق وأصحابه فماهي هجرتنا وقد قال صلى الله عليه وسلم: (لا هجرة بعد الفتح) نعم إن هجرتنا تكون هجرة من المعصية إلى الطاعة ومن الشك إلى اليقين ومن الشرك إلى التوحيد ومن الفسوق إلى التقوى ومن النفاق إلى الإيمان ومن الفرقة إلى الأخوة والوحدة وقد صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: (المسلم من سلم الناس من لسانه ويده والمهاجر من هجر ما نها الله عنه).
أيها الإخوة المسلمون هذه محطة لا يكف استخلاص الدروس والعبر ما لم نكن عمليين في واقعنا فهي مناسبة أخي الكريم أن تراجع حياتك وتجدد توبة، إرجع إلى وصيتك وراجعها ورد المظالم واقض ديونك وحالل من ظلمته وصل رحمك إن كنت قاطعا لمن أمرك الله أن تصله وكن مهاجرا قبل أن تهاجر لأن كل واحد منا سيهاجر إلى الله في يوم يحين فيه أجله، فلا زاد له إلا عمله الصالح.
وَاتَّقُواْ يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ البقرة : 281
اللهم إنا نسألك بأسمائك الحسن وصفاتك العلا أن تصلي على حبيبنا محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وعلى أصحابه المهاجرين والأنصار ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
اللَّهُمَّ يَا ذَا الجَلَالِ وَالإِكْرَامِ، يَا فَارِجَ الْهَمِّ، وكَاشِفَ الْغَمِّ، ومُجِيبَ دَعْوَةَ الْمُضْطَرِّينَ، مَا تَفْتَحْ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا افْتَحْ لَنَا رَحْمَتَكَ الَّتي لَا مُمْسِكَ لَهَا.
اللهم أنت الرحمان الرحيم اللطيف الودود اللهم في هذا العام الجديد أنقلنا من المعصية إلى الطاعة ومن الشك إلى اليقين ومن الشرك إلى التوحيد ومن الفسوق إلى التقوى ومن النفاق إلى الإيمان ومن الفرقة إلى الأخوة والوحدة.
اللهم اجعل عامنا هذا عام أمن وأمان في بلدتنا وجزائرنا ولجميع إخواننا المسلمين.
رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ، وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آَمَنُوا، رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيم.
اللهُمَّ أَصْلِحْ ذَاتَ بَيْنِنَا، وَأَلِّفْ بَيْنَ قُلُوبِنَا، وَاهْدِنَا سُبُلَ السَّلَامِ، وَنَجِّنَا مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ، وَجَنِّبْنَا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ.
- اللهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِي أَسْمَاعِنَا، وَأَبْصَارِنَا، وَقُلُوبِنَا، ووالدينا، وَأَزْوَاجِنَا، وَذُرِّيَّاتِنَا، وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيم.
اللهم صل على سدينا محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ والحمد لله رب العالمين - وأقم الصلاة -