الحمد لله الذي أمر بالنظافة وأحب المتطهرين و على الطهارة رتب أحكام هذا الدين و أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة الخاضعين، الطائعين، المؤتمرين، المنتهين. يقول جل من قائل سبحانه: ( إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ) و أشهد أن سيدنا و حبيبنا محمدا عبده و رسوله إمام المتقين و سيد الأتقياء الأنقياء الغر المحجلين وعلى صحابته الميامين وعلى من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين
أما بعد:
فيا أيها الإخوة المؤمنون لقد خلق الله هذا الكون جميلاً، طاهرا،ً نظيفاً، نقيا، بما أودعه فيه من قوانين ونواميس، فنظام الكون كلِّه مبنيٌّ على النّظافة، والنقاوة، فالرّياح تكنس الأوساخ، والأمطار تغسل الأدران، والأرض تدفن الجثث، والكل يعمل في تناغم وتناسق عجيب... حتى الحيوان نجده مفطورا على النظافة والتنظّف فانظر إن شئت أيها الإنسان إلى الهر الذي هو من الطوافين حولك كيف يعتني بجسمه وينظف نفسه، وانظر إلى الوردة كيف هي نقية جميلة رغم وجودها في أمكنة الأتربة والغبار. فسبحان الخالق العظيم الذي أبدع هذا الوجود ونظمه
أحبتي في الله أيها المؤمنون الأكارم:
يقول جل جلاله ( لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ) فجاء الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم ليعلم المؤمنين كافة قواعد النظافة والطهارة المادية منها والمعنوية فقال: (الطُّهُورُ شَطْرُ الإِيمَانِ) رواه مسلم.
فالوضوء في الدين الإسلامي ليس مجرد غَسل الأعضاء بالماء وإن كان ذلك متضمن فيه لأن الأعضاء المغسولة في الوضوء هي تلكم الأعضاء المتعرضة للتلوث بالأتربة والأوساخ و الجراثيم..الوجه و اليدان والرجلان.. إنما الوضوء كذلك طهارة باطنية معنوية تمحى بها الخطايا والذنوب .. فالغيبة تخرج من الفم.. و النظرة المحرمة تكون بالعين..و الأذن يحلو لها سماع المحرم..واليد قد تطفف الميزان..وتخسر المكيال.. وتكتب وتحمل ما حرم الله..والرجل كذلك قد تمشي فيما حرم الله..فأوجب الله الوضوء..ليطهّرعباده المؤمنين .. مما علق بهم من ذنوب. فطوبى لأهل النظافة من هذه الأمة.. وطوبى لمن تطهرت سريرته و تطيبت علا نيته..وطوبى ثم طوبى لمن آمن و عمل صالحا و قال إنني من المسلمين. ولم يكتف الإسلام بدعوة الإنسان إلى الحفاظ على الطهارة الفكرية والروحية والإيمانية فحسب، بل استكمل الصورة وأمر بالنظافة حتى على المستوى المادي والشكلي: في الجسد والملبس والبيت والشارع والبيئة المحيطة بالمسلم بحيث تكون النظافة في كلّ ما حوله، لتبقى الصورة جميلةً، راقيةً، حضارية، وليكون الإنسان محميّاً من كلّ سلبيات القذارة. والله سبحانه وتعالى عندما يقول في الآية الكريمة: (إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ ). ففي هذا، تأكيد للتلازم بين نظافة الشّكل وطهارة المضمون.
ولأهميّة النّظافة، أدخلتها الشَّريعة في صلب أحكامها، فأكَّدت على الطَّهارة، فلا صلاة إلا بطهارة،.. طهارةٍٍٍٍِ البدن.. وطهارة الثياب.. وطهارة المكان.. ولا يصحّ طوافٌ إلا بطهارة البدن والثياب، وبوضوء. حتى الميّت أيّها الأحبّة، الذي سيَبْلى ويصبح رميما، أمرنا الله ربنا بغسل بدنه وتنظيفه وتطهير كفنه. أيّ دعوةٍ إلى النظافة والطهارة هي أبلغ من هذه، وأيّ دينٍ هو أكثر رقيّاً من هذا الدين؟
إن الإسلام لم يقف عند هذا الحدّ، بل دعا إلى النَّظافة العامَّة، لتشمل الشَّوارع والطّرقات، والحدائق العامَّة فقد ورد في الحديث: {الإيمان بضع وسبعون شعبة، أفضلها قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطّريق}.
هذا هو إسلامنا..و هذا هو ديننا.. ..أرسى قواعد النظافة و الطهارة في كل تعاليمه..وأمر المؤمنين بها في كل حركاتهم و سكناتهم.. فجعل بيوتهم نظيفة..وطرقاتهم نظيفة..جعل إماطة الأذى عن الطريق صدقة.. كما صح ذلك الحبيب عليه الصلاة و السلام..وهذه الصدقة قد تصل بالمؤمن إلى نعيم الجنة. رو ي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: {.. مَرَّ رَجُلٌ بِغُصْنِ شَوْكٍ ..فَنَحَّاهُ عَنِ الطَّرِيقِ.. فَشَكَرَ اللَّهُ لَهُ فَأَدْخَلَهُ الْجَنَّةَ } رواه الإمام أحمد في المسند..
إن النظافة في الدين الإسلامي أيها الإخوة مسؤوليَّة شرعيَّة وليست فقط مظهرا اجتماعيا، هذا ما يريده منا ديننا العظيم أن نفهمه ونعيه وأن يتحول إلى واقع معيش ومجسّد، وليس فقط عبارة عن شعارات جوفاء تردد.
ولكن أيّها الأحبّة،.. إذا كان ديننا يريد منا هذا فهل هذا ما نريده نحن؟ بل هل هذا هو واقعنا بالفعل؟
أيها الإخوة إذا ما تأملنا المجتمعات المسلمة من شرقها إلى غربها إلا ما رحم ربي هل نجد الصّورة الّتي تنطبع في أذهاننا عنها، هي كذلك عندما ندخل المساجد؟ أو عندما نذهب إلى الحجّ؟ أو عندما نتجوَّل في الأماكن العامَّة للمسلمين؟ هل صحيح أنّه ينطبق علينا شعار "النّظافة من الإيمان"؟!
هذا الشّعار كثيرا ما نسمعه و قد نردده، ولكن و للأسف، لا نعيشه، ولا يُحدِث فينا تغييراً جذريّاً. وهنا سؤالٌ مفصليّ يجب أن نطرحه على أنفسنا، وقد نجد الحلّ عند الإجابة عنه: هل يشعر كلّ فردٍ منّا بأنَّ النَّظافة هي مسؤوليَّته الشّرعيَّة، وأنها واجبُه كما هي بقيّة الواجبات، أو فريضةٌ كبقيّة الفرائض، ويتحمّل مسؤوليتها أمام الله؟ هل كلّ فردٍ مستعدّ لأن يقف موقف المسؤوليّة أمام رسول الله صلى الله عليه وسلم الّذي أمر بالنّظافة والطّهارة والمظهر الحسن للفرد والمجتمع؟
فاللهم نظف فينا الظاهر ونظف فينا الباطن وأعنا على ذلك ولا تكلنا إلى أنفسنا طرفة عين. آمين
أقول ما تسمعون وأستغفر الله العلي العظيم لي ولكم فاستغفروه تجدوه غفورا رحيما.
الخطبة الثانية
الحمد لله رب العالمين والعاقبة للمتقين ولا عدوان إلا على الظالمين ونصلي ونسلم على المبعوث رحمة للعالمين سيدنا وسيد الخلق أجمعين محمد وعلى آله وصحابته ومن تبعه بإحسان إلى يوم الدين.
أيّها الأحبّة في الله..
إنّ الشّعور بالمسؤوليّة هو الّذي يقول لذلك الشخص الّذي يريد أن يتخلّص من نفاياته وهو في سيّارته، أو من على شرفته، أو الّذي يرمي نفاياته كيفما كان وأينما كان: هذا السعور هو الذي يقول له مهلاً .. هل أنت فعلّاً تتخلّص منها، أم تتخلّص منها لتعود إليك مجدّداً؟ بل وماذا يقول لك شرعك.. صلاتك.. إيمانك؟
المشكلة أيّها الأحبّة، تكمن في المفهوم الضيّق الّذي يعتبر البيت الّذي نملكه بعقدٍ هو فقط ما يجب أن نحافظ على نظافته، وهو فقط ما نحن مسؤولون عنه. بل إن بعض الستأجرين قد يسكن البيت المستأجَر، و لا يتعاطى معه على أنه تحت مسؤوليّته أو على أنه بيته، إنما يتعامل معه بكل سلبية وإهمال. أليس هذا مفهوماً ضيّقاً للحياة ولطريقة العيش ولما يريده الله منّا؟... إن الله تعالى قد خلق الكون وسخره لنا، وجعله تحت تصرفنا، وجعلنا مسؤولين عنه، ومؤتمنين عليه، فهل حافظنا على هذه الأمانة حقّاً؟ بل المفروض.. والأجدى.. والأجدر.. بالمؤمن أنه إذا غادر مكاناً تركه أنظف مما كان عليه قبل، ولكن المخجل أن نجد عكس ذلك في مجتمعاتنا، حتى في أمكنة العبادة. مساجد الله التي أمر أن ترفع ماديا ومعنويا نجدها تعاني من الفوضى وعدم النظام ومن أمثلة ذلك أن ترى براح المسجد أو مدخله مشوها بأكوام من الأحذية المتراكمة في حين تجد الرفوف المخصصة لذلك تعاني الفراغ . بل وانطلق إلى الوادي وجل ببصرك ترى هذا الوادي الذي كان بالأمس مفروشا بالتراب الذهبي الصافي، تجده في حالة مزرية يندى لها الجبين، أكوام من بقايا مواد البناء و النفايات، والكارثة العظمى وداهية الدواهي إذا أضرمت فيها النيران فحينئذ يتعفن الجو وتزكم الأنوف ويتحول الصفاء إلى كدر، والنقاء إلى عفن.
أيّها الأحبَّة... هذا هو إسلامنا الّذي جاء به رسولنا (ص)، فالله جميلٌ يحبُّ الجمال، والنّظافة جمالٌ بحدِّ ذاتها. وقد استطاع الإسلام منذ بزوغ فجره، أن يصيِّر المجتمع البدويّ الوسخ القذر، مجتمعاً يعتبر النَّظافة جزءاً أساسيّاً من تكوين شخصيّته الإيمانيّة، وجعل النّظافةَ أمراً تعبّدياً للفرد...
النّظافة قيمة لا تتجزّأ، إنما هي تماماً كبقية القيم، ولا يوجد أيّ مبرّرٍ لأيّ فردٍ ولا لأيٍ مجتمعٍ أن لا يكون نظيفاً.
أخي الكريم ليكن حسك مرهفا وحبك للنظافة نابعا من إيمانك وتدينك. فأنت لا تحتاج إلىِ إمكاناتٍ كبيرة كي تمتنع عن رمي قارورةٍ هنا، أو علبةٍ هناك، أو تكف عن رمي قشور الفاكهة التي تستمرئ طعمها أو بقايا طعامك وأنت تسير على الطّريق... إنما يمكنك وبكل سهولة أن تجعل طبعك يأنف ذلك ويمقته.
فهيا أخي نحوّل النَّظافة إلى سلوكٍ اجتماعيّ، حتَّى لا يشعر من ينادي بها بالغربة، ولنترجم إماطة الأذى عن الطَّريق إلى عملٍ جماعيّ حضاريّ، تتكاتف من أجله الجهود عبر الوسائل الحديثة، وعبر تنظيم برامج النَّظافة وحملات التوعية الإعلامية ، والأهمّ عبر تفعيل دور الدَّولة والبلديَّات و القيام بمسؤوليتهما في المتابعة والمحاسبة. فلنتكاتف لنقدم القدوة للأجيال الصاعدة والصغار، الّذين قد تمحو صورة أحدٍ من أهلهم وهو يرمي ورقةً في الشّارع، كلَّ ما يتعلّمونه في المدارس.
إخوة الإيمان
لقد قيض الله لهذه الأمة بهذا الوادي رجالا صالحين، وشبانا نشطين غيورين، وجمعيات خيرية تسهر على الصالح العام وتسعى في خدمة المجتمع فلنضع أيدنا في أيديهم ولنكن معم جنبا إلى جنب من أجل مدينة نظيفة تشرّف الإسلام أولا، ويشرف بها أهلها ثانيا. هَـبّة مباركة تنادي إلى إلى الخير والصلاح فيا أيها المواطنون، ويا أيتها السلطات المحلية. لنقف وقفة رجل واحد ولينظف كل واحد حيّه وأمام بيته وليكن هذا ديدننا تسري النظافة في عروقنا ولا نكن أهل مناسبات فقط فالنظافة من الإيمان والأوساخ والقذورات لا تكون إلا من الشيطان
وأخيراً، لنبدأ، وليبدأ كلٌّ منَّا الآن وعلى جناح السرعة مقررين ألا نغادر أمكنتنا هذه في المسجد إلا وقد عزمنا عزما أكيدا على أن نسعى إلى تجسيد ما سمعناه وإسقاطه على أرض الواقع
"النّظافة من الإيمان"، فلنردِّدها ونطبِّقها، ونحن نعي جيّداً أن لا إيمان كاملاً بلا نظافة كاملة.
لنكن، أيّها الأحبّة، قدوات لأهالينا وأبنائنا و للعالم بأسره في الخير والجهاد والتَّقوى والسّلوك، بهذا نُقبل ونؤجر عند الله مليكنا، ونكونُ خير أمّةٍ أخرجت للنّاس، تعمل للخير وتدعو إليه. وتكافح الشر بجميع أشكاله وتنهى عنه. هذا ولنرفع أكف الضراعة إلى الله سائلين في ذلة وانكسار قائلين:
اللهم يا الله يا كريم يا رحمن يا رحيم يا سميع يا قريب يا مجيب يا من بيده ملكوت كل شيء وإليه يرجع الأمر كله يا رحمن الدنيا والآخرة ورحيمهما نسألك اللهم أن تغفر لنا ذنوبنا وتكفر عنا سيئاتنا وتتقبل جميع أعمالنا وأعمال المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها . اللهم إنا نسألك الهدى والتقى والعفاف والغنى اللهم آت نفوسنا تقواها وزكها أنت خير من زكاها أنت وليها ومولاها اللهم اجعلنا من أفضل عبادك نصيبا في كل خير تقسمه من نور تهدي به وعمل تعلي به ويقين تقرب به وبلاء تصرفه يا أرحم الراحمين ولا ننس إخوة الإيمان أن ندعو للأقصى السجين ومن بأرضه من إخواننا المسلمين فاللهم رحماك بالمستضعفين رحماك بالمحتلين رحماك بالمساجين المظلومين رحماك بالمرضى المصابين خفف وطأتهم وفرج همهم واكشف غمهم اللهم أبرم لهذه الأمة يوم رشد يعز فيه طاعتك ويذل فيه أهل معصيتك اللهم ارفع راية الإسلام خفاقة حيثما بلغ الليل والنهار اللهم مكن لدينك في الأرض واجعلنا سببا للتمكين واغفر اللهم لموتانا وارحمهم يا أرحم الراحمين آمين آمين آمين والحمد لله رب العالمين.