عودة

الصدق

الأستاذ: سعيد بن ابراهيم ابن زكري

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ،وأشهد أن محمدا عبده ورسوله.
الحمد لله الصّادق في قيله، الهادي إلى سبيله، أثنى على الصّادقين في محكم تنزيله، وحبّب الصّدق إلى النّفوس الكريمة، جعل الصدق صفة لأوليائه، فخصّ بها الأنبياء والأتقياء.
أيّها الأكارم: من الأخلاق التي دعا إليها الإسلام ورغّب فيها :الصّدق؛ فالصدق رأس الفضيلة، وأجمل خُلق حميد،به تُحفظ الحقوق وتُصان النّفوس. فالصدق إذن سيّد الأخلاق وجامع المكارم والفضائل، ورأس البِرّ، وعنوان الشمائل، امتدح الله به نفسه في كتابه العزيز، فقال سبحانه: "ومن أصدق من الله حديثا" وقال "ومن أصدق من الله قيلا". ووصف بالصدق أنبيائَه ورسلَه، فقال تعالى عن نبيّه إبراهيم: "واذكر في الكتاب إبراهيم إنّه كان صدّيقا نبيئا". وقال الله تعالى عن سيدنا إسماعيل: "واذكر في الكتاب إسماعيل إنّه كان صادق الوعد وكان رسولا نبيئا". وقال تعالى عن سيدنا يوسف: "يوسف أيّها الصّدّيق"؛ إلى غيرها من آيات صدق الأنبياء والرسل.
أيها الإخوة المؤمنون: أتعلمون ما هي حقيقة الصدق؟ الصدق هو مطابقة الخبر للواقع، وهو من خصال أهل الإيمان، وهو من لوازم الاعتقاد والعبادة والعمل والأخلاق والسلوك. فلا تستقيم عقيدة أو ايمان من دون صدق، ولا تقبل عبادة من غير صدق، ولا يصحّ عمل يتجرّد عن الصدق. واعلموا أيّها الإخوة في الله، أنّ أسوأ الأخلاق وأقبحَها وأشنعَها في الدين والأخلاقيات عند الأمم هو الكذب؛ وأنّ أفضلها وأرقاها وأعظمها هو الصدق. فالصدق فضيلةٌ حثّت عليها الأديان وخلقٌ كريم تتباهى به الأمم على سائر الأزمان.
فالأمم المتمدّنة النّاهضة ترى أنّ من العيب أن تكذب، ولو لم تكن على دين، لأنّ الكذب يَلغي شخصيّة الإنسان ويجعلُه لا قيمة له، لأنّ قيمتَكَ في مدى صِدقك وثقة النّاس فيك؛ فإذا كنت غير صادق وغير موضع ثقةٍ للنّاس فلا قيمة لك؛ لأنّ الإنسان إنّما هو بقيَمه ومبادئه وأخلاقه. فإذا ذهبت أصبح بلا قيمة، وصدق من قال: "وإنّما الأمم الأخلاق ما بقيت وإن هم ذهبت أخلاقهم ذهبوا".
لذا أمر الله تعالى الناس بالصدق وأثاب عليه ورغّب فيه في أكثر من موضع في القرآن الكريم والسنّة الغراء. ومن ذلك قوله تعالى:" يآأيها الذين ءامنوا اتقوا الله وكونوا مع الصّادقين"التوبة119.وقال عزّ وجلّ في بيان أوصاف المؤمنين: "والصّادقين والصّادقات" الأحزاب 35.ويقول عزّ وجلّ وهو يمتدح صحابة الرسول، فقال في وصفهم: "رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا"الأحزاب23.
ومن جانب آخر وردت أحاديث نبوية تحثّ على الصدق وتأمر به لأنّه يرشد إلى خصال الخير و البِرّ، فعن ابن مسعود عن النّبي(ص)قال: "إنّ الصدق يهدي إلى البِرّ وإنّ البِرّ يهدي إلى الجنّة، وإنّ الرَّجلَ ليصدق حتّى يُكتب عند الله صدّيقًا، وإنّ الكذب يهدي إلى الفجور، وإنّ الفجور يهدي إلى النّار، وإنّ الرجل ليكذب حتى يكتب عند الله كذّابا". وفي حديث آخر رواه التّرمذي عن الحسن بن علي رضي الله عنهما، قال حفظت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم:"دع ما يُريبك إلى ما لا يريبك، فإنّ الصّدقَ طمأنينة، والكذبَ ريبة".
عباد الله، الصدق أنواع: فالمسلم ينبغي أن يكون صادقا مع الله ،صادقا مع الرسول صلى الله عليه وسلم،صادقا مع النّاس وصادقا مع نفسه.
_ الصدق مع الله سبحانه وتعالى: وذلك بإخلاص الأعمال كلِّها لله، فلا يكون فيها رياء ولا سمعة، فمن عمل عملا لم يُخلص فيه النيّة لله لم يُتقبّل منه عمله، والمسلم يُخلص في جميع الطاعات بإعطائها حقّها، وأدائها على الوجه المطلوب منه. يقول عزّ من قائل: "فلو صدقوا الله لكان خيرا لهم".
_ الصدق مع الرسول(ص):يكون باتّباعه ظاهرا وباطنا، غير مُقصّر في سنّته ولا زائد عليها، فلو كان حبُّك له صادقا لأطعته، فكما يُقال: إنّ المُحبَّ لمن يحبّ مطيع. ومن كذب على نبيّنا(ص) متعمّدا فليتبوّأ مقعده من النّار.
_ الصدق مع النّاس :فلا يكذب المسلم في حديثه مع الآخرين، وقد روي أنّ النّبي (ص) قال: "كبُرت خيانةٌ أن تحدّث أخاك حديثا هو لك مصدق وأنت له كاذب". والحديث  رواه أحمد.
_ الصدق مع النّفس: فالمسلم الصادق لا يخدع نفسه، يعترف بعيوبه وأخطائه ويصححها، فهو يعلم أنّ الصدق طريق النّجاة؛ هذا وكان أبو بكر الصديق (ض) إذا سمع من يمدحه يقول:" اللهمّ أنت أعلم بي من نفسي، وأنا أعلم بنفسي منهم، اللهمّ اجعلني خيرا ممّا يظنّون، واغفر لي ما لا يعلمون ولا تُؤاخذني بما يقولون".
فكم نحن بحاجة يا مؤمنين إلى تحقيق الصدق مع الله ومع رسوله ومع أنفسنا ومع المؤمنين، فيا عباد الله اتقوا الله تعالى واصدُقوا الله في عبادته، فاعبدوه مخلصين له الدين، وامتثلوا أوامره طلبا لثوابه، واجتنبوا نهيَه خوفا من عقابه، واعلموا أن الصدق علامة للتقوى، وسبب لتكفير السيئات ورِفعة الدرجات، قال تعالى:
"والذي جاء بالصّدق وصدَّق به أولئك هم المتقون". أمّا يوم الجزاء ،فاستمع أخي المؤمن لقول الله تعالى: "قال الله هذا يومَ ينفع الصّادقين صدقهم ،لهم جنّات تجري من تحتها الانهار خالدين فيها أبدا، رضي الله عنهم ورضوا عنه، ذلك الفوز العظيم". المائدة 119.
أقول ما سمعتم وأستغفر الله تعالى لي ولكم وللمسلمين من كلّ ذنب ،فاستغفروه إنّه هو الغفور الرحيم.

الخطبة الثانية:
الحمد لله، الحمد لله وعد الصّادقين بالمغفرة والأجر الكريم، نشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، الملك الحقّ المبين، ونشهد أنّ نبيّنا وإمامنا الصّادق البرّ الأمين، اللهمّ صلّ وسلّم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه أجمعين.
أمّا بعد فاتقوا الله يا مسلمين وكونوا مع الصّادقين، ثمّ اعلموا أنّ صدق الحديث من صفات المؤمنين؛ ألا وإنّ من أجلّ النِّعَم على العبد أن يُحبّب إليه الصدق، فلا ترتاحُ نفسه إلا إليه، ولا يهدأ ضميره إلا به. قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: "عليك بالصدق وإن قتلك".
عباد الله إنّ صدق اللسان أوّل السعادة،وما من شيء أذهبُ للمروءة من الكذب،وقد قال الحكماء:"من استحلى رَضاعَ الكذب، عَسُر فِطامه".
إنّ فضيلة الصدق عظيمةٌ جِدّا، فهي تؤدي إلى طمأنينة القلب وسكونه، وأمّا الكذب فيوقع النّاسَ في الشّكوك والأوهام ويزرع الاضطراب ويهزّ الثقة بين الناس، ويؤدي إلى الأحقاد والضغينة والشحناء والمنازعات.
إخوة الإيمان، إن الصدق في المعاملة من بيع وشراء وإجارة واستئجار ونحوها، واجبٌ شرعا حتى لا تتسربَ مسارب الشكّ ومظاهر ومفاسد الخيانة إلى العقود، فتتهدّدُ الحقوقُ وتضعفُ الواجبات وتشيعُ الشكوك في المعاملات، ويخسرُ غيرُ الصّادق بذاتِه زبائنَه، أو يعرّض تجارته للضياع والخسران.
روى الإمامان عن حكيم بن حزام، رضي الله عنه، قال، قال رسول الله (ص):" البيِّعان بالخيار ما لم يتفرّقا،فإن صَدقا وبيّنا، بورك لهما في بيعِهما، وإن كتما وكذبا مُحقت بركة بيعهما".
عباد الله نحن في هذا الزمان بالذات بحاجة إلى الصدق في الوفاء بالوعد وصِدق العقد والعهد؛ اسألوا إن شئتم أصحاب المؤسسات والمحلات وأصحاب الحرف، كم من الأموال عند الناس يُماطلون فيها ويتهرّبون عن تسديدها.
فيا مؤمنون :"إنّ الله يامر بالعدل والاحسان وإيتآء ذي القربى وينهى عن الفحشآء والمنكر والبغي، يعظكم لعلكم تذّكرون. وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم ولا تنقُضوا الاَيمان بعد توكيدها وقد جعلتم الله عليكم كفيلا، إنّ الله يعلم ما تفعلون". النحل 90-91.
فاللهمّ ألزمنا كلمة الحق والصدق والتقوى، وهيّئ لنا من العمل ما تحب وترضى، اللهمّ اهدنا لأحسن الأعمال والأقوال والأخلاق، لا يهدي لأحسنِها إلّا أنت واصرف عنّا سيّئَها، لا يصرف عنّا سيّئَها إلّا أنت.
اللهمّ اجعلنا ممّن إذا أُعطي شكر، وإذا ابتُلي صبر، وإذا أذنب استغفر. اللهمّ اجعل بلدتنا هذه وسائر بلاد المسلمين آمنة رخيّة وارفع عنّا البلاء والغلاء، وباعد عنّا الفتن والمحن ما ظهر منها وما بطن يا أرحم الراحمين.
اللهمّ اجعل جمعنا هذا جمعا مرحوما، واجعل تفرُّقنا من بعده تفرّقا معصوما، ولا تدع فينا ولا معنا شقيّا ولا محروما. اللهمّ إنّا نسألك الهدى والتّقى والعفاف والغنى. اللهمّ إنّا نسألك أن ترزق كُلّا منّا لسانا صادقا ذاكرا، وقلبا خاشعا منيبا، وعملا صالحا زاكيا، وعلما نافعا رافعا، وإيمانا راسخا ثابتا، ويقينا صادقا خالصا، ورزقا حلالا طيّبا واسعا، يا ذا الجلال والاكرام. اللهمّ أعزّ الإسلام والمسلمين، ووحّد اللهمّ صفوفهم، واجمع كلمتهم على الحقّ، واكسر شوكة الظّالمين، واكتب السلام والأمن لعبادك أجمعين. ربّنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النّار، ربّنا لا تُزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا، وهب لنا من لّدنك رحمة إنّك أنت الوهّاب. وصلّ اللهمّ وسلّم وبارك على سيّدنا محمّد وعلى آله وصحبه أجمعين.
عباد الله أذكروا الله يذكركم واشكروه على عُموم نِعمه يَزدكم، ولذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون، والحمد لله ربّ العالمين.